ابن الجوزي
14
صفة الصفوة
أظلم الليل إذا بأسود دقيق الساقين عظيم البطن عليه مئزران من صوف ، فجاء إلى ماء فتمسّح ثم صلّى ركعتين خفيفتين ثم رفع طرفه إلى السماء فقال : سيدي إلى كم تردّ عبادك فيما لا ينقصك أنفد ما عندك ؟ أقسمت عليك بحبك لي إلا ما سقيتنا غيثك الساعة الساعة . فما أتمّ الكلام حتى تغيّمت السماء وأخذتنا كأفواه القرب فما خرجنا حتى خضنا الماء . فتعجبنا من الأسود فتعرضت له فقلت : أما تستحيي مما قلت ؟ قال : وما قلت ؟ قلت قولك : بحبك لي ، وما يدريك أنه يحبك ؟ قال : تنح عن همتي يا من اشتغل عنه بنفسه أين كنت أنا حين خصّني بتوحيده ومعرفته ؟ أتراه بدأني بذلك إلا لمحبته لي ؟ ثم بادر يسعى . فقلت : ارفق بنا . قال : أنا مملوك عليّ فرض من طاعة مالكي الصغير . فدخل دار نحّاس فلما أصبحنا أتيت النحاس فقلت له : عندك غلام تبيعنيه للخدمة ؟ قال : نعم عندي مائة غلام فجعل يخرج إلي واحدا بعد واحد وأنا أقول غير هذا . إلى أن قال : ما بقي عندي أحد فلما خرجنا إذا الأسود قائم في حجرة خربة فقلت : بعني هذا . قال : هذا غلام مشئوم « 1 » لا همّة له إلا بالبكاء فقلت : ولذلك أريده فدعاه وقال لي : خذه بما شئت بعد أن تبرئني من عيوبه . فاشتريته بعشرين دينارا . فلما خرجنا قال : يا مولاي لماذا اشتريتني ؟ قلت : لنخدمك نحن . قال : ولم ذاك ؟ قلت : أليس أنت صاحبنا البارحة في المصلّى ؟ قال : وقد اطّلعت على ذلك فجعل يمشي حتى دخل مسجدا فصلى ركعتين ثم قال : إلهي وسيدي سرّ كان بيني وبينك أظهرته للمخلوقين ، أقسمت عليك إلا قبضت روحي الساعة . فإذا هو ميت فبقبره نستسقي ونطلب الحوائج إلى يومنا هذا . 576 - عابد آخر حصين بن قاسم الوزّان قال : كنا عند عبد الواحد وهو يعظ فناداه رجل من ناحية المسجد كفّ يا أبا عبيدة فقد كشفت قناع قلبي فلم يلتفت عبد الواحد ومرّ في الموعظة . فلم يزل الرجل يقول : كفّ يا أبا عبيدة فقد كشفت قناع قلبي
--> ( 1 ) أي يجر الشؤم .