ابن الجوزي

135

صفة الصفوة

بشير بن المنذر قال : كنت إذا رأيت إبراهيم بن أدهم كأنه ليس فيه روح لو نفخته الريح لوقع قد اسود متدرّع بعباء . إبراهيم بن بشار قال : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : ما كانت لي مؤونة قطّ على أصحابي ولا على غيرهم إلا في شيء واحد . فقلت : أي شيء يا أبا إسحاق ؟ فقال : ما كنت أحسن أكري نفسي في الحصّادين ، فيحتاجون إلى أن يكروني ، ويأخذون لي الأجرة ، فهذه كانت مؤونتي عليهم . قال ابن بشار : ومضيت مع إبراهيم بن أدهم إلى مدينة يقال لها طرابلس ومعي رغيفان ما لنا شيء غيرهما وإذا سائل يسأل ، فقال لي : ادفع إليه ما معك فتلبّثت « 1 » . فقال لي : ما لك ؟ أعطه ، فأعطيته وأنا متعجب من فعله ، فقال لي : يا أبا إسحاق إنك تلقى غدا ما لم تلقه قطّ واعلم أنّك تلقى ما أسلفت ولا تلقى ما خلّفت . فمهّد لنفسك فإنك لا تدري متى يفجؤك أمر ربّك . قال : فأبكاني كلامه وهوّن عليّ الدنيا . فلما نظر إليّ أبكي ، قال : هكذا فكن . قال ابن بشار : وخرجت أنا وإبراهيم بن أدهم ، وأبو يوسف الغسولي ، وأبو عبد اللّه السّنجاري ، نريد الإسكندرية فمررنا بنهر يقال له نهر الأردنّ فقعدنا نستريح وكان مع أبي يوسف كسيرات يابسات . فألقاها بين أيدينا فأكلناها وحمدنا اللّه عزّ وجل . فقمت أسعى أتناول ماء لإبراهيم فبادر إبراهيم فدخل النّهر حتى بلغ الماء إلى ركبتيه . فقال بكفّيه في الماء « 2 » فملأهما ثم قال : بسم اللّه ، وشرب الماء ثم قال : الحمد للّه ، ثم ملأ كفيه وقال : بسم اللّه ، وشرب الماء ، ثم قال : الحمد للّه . ثم إنه خرج من النهر فمدّ رجليه ثم قال : يا أبا يوسف لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسّرور لجالدونا عليه بالسّيوف أيام الحياة ، فقلت : يا أبا إسحاق طلب القوم الراحة والنّعيم فأخطئوا الطريق المستقيم . فتبسم وقال : من أين لك هذا الكلام ؟ قال ابن بشار : مررنا مع إبراهيم بن أدهم بمقبرة فتقدم إلى قبر فوضع يده عليه

--> ( 1 ) أي تلكأت . ( 2 ) أي غرف بهما من الماء .