ابن الجوزي

12

صفة الصفوة

573 - عابد آخر عطية بن سليمان قال : صليت الجمعة ثم انصرفت فجلست إلى يونس بن عبيد حتى صلينا العصر فقال : هل لكم في جنازة فلان ؟ فمشينا إلى ناحية بني سعد فصلينا على جنازة ثم قال : هل لكم في فلان العابد نعوده فأتينا رجلا قد وقعت في فيه الخبيثة « 1 » حتى أبدت عن أضراسه فكان إذا أراد أن يتكلم دعا بقعب « 2 » من ماء وبقطنة فيبل لسانه حتى يبتلّ ثم يتكلم بكلمات يحسن فيهن . فلما دخلنا عليه دعا بالقدح ليفعل ما كان يفعل ، فبينا هو يبلّ لسانه سقطت حدقتاه « 3 » في القدح فأخذهما فمر بهما بيده ثم قال : إني لأجد فيهما دسما وما كنت أظنه بقي فيهما . ثم استقبل القبلة فقال : الحمد للّه الذي أعطانيهما وأمتعني بهما شبابي وصحّتي حتى إذا أفنيت أيامي وحضر أجلي أخذهما مني ليبدلني بهما إن شاء اللّه خيرا منهما . فقال له يونس : قد كنا تهيأنا لنعزيك فنحن الآن نهنئك فقال خيرا ودعا . ثم خرجنا من عنده . 574 - عابد آخر محمد بن عبد الرحمن عن الرجل الذي حدثه أنهم كانوا بالبصرة في شدة قحط « 4 » الناس فيها وغلا سعرهم واحتبس عنهم المطر فخرجوا يستسقون ، وخرجت اليهود والنصارى ، فاعتزلت اليهود معهم التوراة ، واعتزلت النصارى معهم الإنجيل ، واعتزل المسلمون ، كلهم يدعون وانصرفوا يومهم ذلك . قال : فبينا أنا بعد ذلك أمشي في طريق المربد نظرت فإذا بين يديّ فتى عليه أطمار « 5 » ، تقبله النفس فهو يمشي وأنا خلفه حتى خرج إلى الجبّان فدخل بعض تلك المساجد التي بالقرب من المقابر ودخلت خلفه تحول بيني وبينه أركان

--> ( 1 ) لعله مرض من أمراض الفم . ( 2 ) هو القدح الضخم الغليظ . ( 3 ) حدقة العين : سوادها الأعظم ، والجمع حدق وحداق . ( 4 ) القحط : الجدب ، وقحط المطر احتبس وبابه خضع وطرب وأقحط القوم أصابهم القحط . ( 5 ) الطمر بالكسر : الثوب الخلق والجمع أطمار .