ابن الجوزي

108

صفة الصفوة

محفوظ بن أحمد قال : قال أبو حفص : حرست قلبي عشرين سنة ثم حرسني قلبي عشرين سنة ، ثم وردت حالة صرنا فيها محروسين جميعا . قال السّلمي : وسئل أبو حفص : من الوليّ ؟ قال : من أيّد بالكرامات وغيّب عنها . وقال : ما ظهرت حالة عالية إلا من ملازمة أصل صحيح . وقال : لا تكن عبادتك لربك سببا لأن تكون معبودا . أبو علي الثّقفي قال : كان أبو حفص يقول : من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنّة ، ولم يتّهم خواطره ، فلا تعدّه في ديوان الرجال . أبو أحمد بن عيسى قال : سمعت أبا حفص يقول : حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » . وسئل من الرّجال ؟ قال : القائمون مع اللّه بوفاء العهود ، قال اللّه تعالى رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ سورة الأحزاب آية 23 ] . وسئل عن العبوديّة ؟ فقال ترك مالك والتزام ما أمرت به . أبو محمد المرتعش قال : سمعت أبا حفص النيسابوري يقول : ما استحقّ اسم السخاء من ذكر العطاء ولا من لمحه بقلبه ، وإنما يستحقّه من نسيه حتى كأنه لم يعط . أبو عثمان النيسابوري قال : خرجنا جماعة مع أستاذنا أبي حفص النيسابوري إلى خارج نيسابور ، فجلسنا ، فتكلّم علينا الشيخ فطابت أنفسنا . ثم بصرنا بأيّل « 1 » قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ . فأبكاه ذلك بكاء شديدا . فلمّا هدأ الشيخ سألناه فقلنا له : يا أستاذ تكلّمت علينا وطابت قلوبنا فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك فأحببنا أن نعرف فقه ذلك ؟ فقال : نعم رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم ، فوقع في قلبي لو أن شاة ذبحتها ودعوتهم عليها . فما تحكّم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يديّ فخيّل لي أنّي مثل فرعون الذي سأل ربّه أن يجري له النيل ، فأجراه له . قلت : فما يؤمنني أن

--> ( 1 ) هو حيوان من ذوات الظلف للذكر منه قرون متشعبة .