ابن الجوزي

87

صفة الصفوة

داود : فأيّ شيء بقي ؟ قال : بقي العمل به . قال : فنازعتني نفسي إلى العزلة والوحدة ، فقلت لها : حتى تجلسي معهم فلا تجيبي في مسئلة . قال : فكان يجالسهم سنة قبل أن يعتزل . قال : فكانت المسألة تجيء وأنا أشدّ شهوة للجواب فيها من العطشان إلى الماء فلا أجيب فيها . قال : فاعتزلتهم بعد . أبو أسامة قال : جئت أنا وابن عيينة داود الطائي فقال : قد جئتماني مرة فلا تعودا إليّ . ابن عائشة قال : مرّ داود الطائي بمقبرة فسمع امرأة وهي تقول : يا حبّي « 1 » ليت شعري بأيّ خديك بدأ البلى ؟ باليمنى أم باليسرى ؟ قال : فصعق . قال : وكان الثوري إذا ذكره قال : أبصر الطائي أمره . محمد بن حاتم البغدادي قال : سمعت الجماني يقول : كان بدو « 2 » توبة الطائي انه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول : مقيم إلى أن يبعث اللّه خلقه * لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كلّ يوم وليلة * وتسلى كما تبلى وأنت حبيب أحمد بن أبي الحواري قال : حدثني محمد يحيى عن داود الطائي قال : ما أخرج اللّه عبدا من ذل المعاصي إلى عزّ التقوى إلا أغناه بلا مال ، وأعزّه بلا عشيرة ، وآنسه بلا بشر « 3 » . عن بكر بن محمد قال : قال لي داود الطائي : فرّ من الناس كما تفرّ من الأسد . محمد بن عثمان الصّيرفي قال : جاء أبو الربيع الأعرج إلى داود الطائي من واسط ليسمع منه شيئا ويراه . فأقام على بابه ثلاثة أيام لا يصل اليد . قال : وكان إذا سمع الإقامة خرج فإذا سلّم الإمام وثب فدخل منزله . قال : فصلّيت في مسجد آخر ثم جئت فجلست على بابه فلما جاء ليدخل الدار

--> ( 1 ) أي الحبيب . ( 2 ) بدو الأمر أي أوله . ( 3 ) قال في الحلية : بلا أنيس .