ابن الجوزي
32
صفة الصفوة
باليسير ، واجعله لما أعطيته من نعمك من الشاكرين واجزه عني خيرا . ثم قال : السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته ، لا أراك بعد اليوم إن شاء اللّه تعالى رحمك اللّه فإني أكره الشهرة ، والوحدة أحبّ إليّ لأني كثير الغمّ ما دمت مع هؤلاء الناس ، فلا تسأل عنّي ولا تطلبني ، واعلم أنك مني على بال وإن لم أرك وتراني ، واذكرني وادع لي فإني سأدعو لك وأذكرك إن شاء اللّه ، فانطلق أنت ها هنا حتى آخذ أنا ههنا . فحرصت على أن أمشي معه ساعة فأبى عليّ ففارقته أبكي ويبكي ، فجعلت انظر إليه حتى دخل بعض السّكك ، ثم سألت بعد ذلك وطلبته فلم أجد أحدا يخبرني عنه بشيء ، وما أتت عليّ جمعة إلا وأراه في منامي مرة أو مرّتين . عن أسير بن جابر أن أويسا القرني كان إذا حدّث يقع حديثه في قلوبنا موقعا ما يقع حديث غيره . عن أسير بن جابر قال : كان محدّث بالكوفة يحدثنا ، فإذا فرغ من حديثه يقول : تفرّقوا . ويبقى رهط فيهم رجل يتكلم بكلام لا أسمع أحد يتكلم بكلام فأحببته . ففقدته ، فقلت لأصحابي : هل تعرفون رجلا كان يجالسنا ؟ فقال رجل من القوم : نعم أنا أعرفه وذاك أويس القرني . قلت : وتعرف منزله ؟ قال : نعم . قال : انطلقت معه حتى جئت حجرته خرج إليّ فقلت : يا أخي ما حبسك عنا ؟ قال : العري . وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه . قال : قلت : خذ هذا البرد فالبسه . قال لا تفعل فإنهم يؤذونني إذا رأوه . قال : فلم أزل به حتى لبسه . فخرج عليهم فقالوا : من ترون خدع عن برد هذا . فجاء فوضعه ؟ فقال : أترى ؟ قال : فأتيت المجلس فقلت : ما تريدون من هذا الرجل ؟ قد آذيتموه ، الرجل يعرى مرة ويكتسي مرّة . فأخذتهم بلساني أخذا شديدا . قال : فقضي أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فوفد رجل ممن كان يسخر به ، فقال عمر : قدم علينا أويس فقلت : أنت أخي لا تفارقني . فانملس « 1 » منّي فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة .
--> ( 1 ) أي تخلص وأفلت .