ابن الجوزي
28
صفة الصفوة
قال : فلما كان من العام المقبل حجّ رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس : كيف تركته ؟ قال : تركته رثّ الهيئة قليل المتاع . فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « يأتي عليك أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن ، كان به برص فبرأ إلا موضع درهم ، له والدة هو بها برّ لو أقسم على اللّه عزّ وجل لأبرّه ، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل » « 1 » . فلما قدم الكوفة أتى أويسا فقال : استغفر لي . فقال : أنت أحدث عهدا بسفر صالح ، فاستغفر لي ، لقيت عمر ؟ قال : نعم . فاستغفر له . ففطن له الناس فانطلق على وجهه . قال أسير : وكسوته بردا فكان إذا رآه إنسان عليه قال : من أين لأويس هذا البرد ؟ انفرد بإخراج هذا الحديث مسلم . عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عزّ وجل يحبّ من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الشعثة رؤوسهم المغبّرة وجوههم ، الخمصة بطونهم ، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم ، وإن خطبوا المتنعّمات لم ينكحوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا ، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم ، وإن مرضوا لم يعادوا ، وإن ماتوا لم يشهدوا » . قالوا : يا رسول اللّه كيف لنا برجل منهم ؟ قال : « ذاك أويس القرني » . قالوا : وما أويس القرني ؟ قال : « أشهل ذو صهوبة ، بعيد ما بين المنكبين معتدل القامة آدم شديد الأدمة ضارب بذقنه إلى صدره ، رام ببصره إلى موضع سجوده ، واضع يمينه على شماله يتلو القرآن ، يبكي على نفسه ، ذو طمرين لا يؤبه له متّزر بإزار صوف ورداء صوف ، مجهول في أهل الأرض ، معروف في السماء ، لو أقسم على اللّه لأبرّ قسمه ، ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء ، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد : ادخلوا الجنة ، ويقال لأويس : قف فاشفع ، فيشفّعه اللّه عزّ وجل في مثل ربيعة ومضر . يا عمر ، يا عليّ إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما يغفر اللّه لكما » .
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 403 . كما أخرجه مسلم في فضائل أويس القرني .