ابن الجوزي

241

صفة الصفوة

قال : قال سيار رأيت ضيغما صلّى نهاره أجمع وليله حتى بقي راكعا لا يقدر أن يسجد فرأيته رفع رأسه إلى السماء ثم قال : قرّة عيني ، ثم خرّ ساجدا فسمعته يقول وهو ساجد : إلهي كيف عزفت قلوب الخليقة عنك ؟ قال : وربما أصابته الفترة فإذا وجد ذلك اغتسل ثم دخل بيتا فأغلق بابه وقال : إلهي إليك جئت . قال : فيعود إلى ما كان من الركوع والسجود . قال : وسمعت سيار بن حاتم يقول : كان ورد ضيغم كل يوم أربعمائة ركعة . عبيد اللّه بن عمر قال : أتيت صاحبا لي يقال له عمران بن مسلم فأراني موضعين مبتلّين في مسجده أحدهما بحذاء الآخر فقلت : ما هذا ؟ قال : هذا واللّه من دموع ضيغم البارحة بين المغرب والعشاء وهو راكع . أزهر بن مروان الرقاشي قال : رأيت ضيغما العابد وكنت إذا رأيته رأيت رجلا لا يشبه الناس من الخشوع والضرّ وطول الحزن . قال القرشي : وحدثني شيخ يكنى بأبي يعقوب عن سعيد البكاء قال : قال رجل لأم ضيغم : ما أطول حزن ضيغم . فبكت وقالت : لمثل ما ندب إليه فليحزن ، ذهب الحسن وأصحابه بالحزن وهل رأيت يا بني محزونا . محمد بن الحسين قال : حدثني مالك بن ضيغم قال : قالت أمّه ، يعني ضيغما ، ذات يوم : ضيغم ! قال : لبّيك يا أماه : قالت : كيف فرحك بالقدوم على اللّه ؟ قال : فحدثني غير واحد من أهله أنه صاح صيحة لم يسمعوه صاح مثلها قطّ وسقط مغشيا عليه ، فجلست العجوز تبكي عند رأسه وتقول : بأبي أنت ما نستطيع أن نذكر بين يديك شيئا من أمر ربك . قال : وقالت له يوما : ضيغم ! قال : لبيك يا أماه . قالت : تحب الموت ؟ قال : نعم يا أماه . قالت : ولم يا بنيّ ؟ قال : رجاء خير ما عند اللّه قال : فبكت العجوز وبكى فتسامع أهل الدار فجلسوا يبكون لبكائهم .