ابن الجوزي

225

صفة الصفوة

إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] قال : فصاح صيحة ثم انكبّ لوجهه وانكشف بعض جسده فجعل يخور كما يخور الثور ثم هدأ فدنونا منه ننظر فإذا هو قد خرجت نفسه كأنه خشبة . قال : فخرجنا فسألنا : هل له أحد ؟ قالوا : عجوز تخدمه تأتيه الأيام فبعثنا إليها فجاءت فقالت : ما له ؟ قلنا : قرئ عليه القرآن فمات قالت : حقّ له واللّه ، من ذا الذي قرأ عليه ؟ لعله صالح القارئ ؟ قلنا : نعم وما يدريك من صالح ؟ قالت : لا أعرفه غير أني كثيرا ما كنت أسمعه يقول : إن قرأ عليّ صالح قتلني . قلنا : فهو الذي قرأ عليه قالت : هو الذي قتل حبيبي فهيّأناه ودفنّاه . رحمه اللّه . 540 - عبد اللّه بن غالب الحداني المغيرة بن حبيب قال : قال عبد اللّه بن غالب الحدّاني لما برز للعدو : على ما آسى من الدنيا فو اللّه ما فيها للبيب جذل ، واللّه لولا محبتي لمباشرة السّهر بصفحة وجهي وافتراش الجبهة لك يا سيدي والمراوحة بين الأعضاء في ظلم الليل رجاء ثوابك وحلول رضوانك لقد كنت متمنيا لفراق الدنيا وأهلها . قال : ثم كسر جفن سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل ، قال : فحمل من المعركة وإنّ به لرمقا فمات دون العسكر ، فلما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك ، قال : فرآه رجل من إخوانه في منامه فقال : يا أبا فراس ما صنعت ؟ قال : خير الصّنيع قال : إلى ما صرت ؟ قال : إلى الجنة . قال : ثم قال : بحسن اليقين وطول التهجد وظمأ الهواجر . قال : فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك ؟ قال : تلك رائحة التلاوة والظّمأ . قال : قلت أوصني . قال : اكسب لنفسك خيرا لا تخرج عنك الليالي والأيام عطلا . عن مالك بن دينار قال : نزلت في قبر عبد اللّه بن غالب فأخذت من ترابه فإذا هو مسك . وقال : فتن الناس به فبعث إلى قبره فسوّي .