ابن الجوزي
220
صفة الصفوة
ويقوّيك على الصلاة وعلى ذكر اللّه . قال : فلما رآني قد وجدت « 1 » من ذلك قال : يا أبا بشر لا يسوءك اللّه قد شربتها أول ما بعثت بها فلما كان الغد راودت نفسي على أن تسيغها فما قدرت على ذلك ، إذا أردت أن أشربها ذكرت هذه الآية يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ [ سورة إبراهيم آية 170 ] فبكى صالح عند هذا وقال : قلت لنفسي : ألا أراني في واد وأنت في آخر ؟ العلاء بن محمد قال : دخلت على عطاء السليمي وقد غشي عليه فقلت لامرأته أم جعفر : ما شأن عطاء ؟ فقالت : سجرت جارتنا التنور « 2 » فنظر إليه فخر مغشيا عليه . إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثتني عفيرة العابدة وكانت قد ذهب بصرها من العبادة قالت : كان عطاء إذا بكى بكى ثلاثة أيام وثلاث ليال . قالت عفيرة : وحدثني إبراهيم المحلمي قال : أتيت عطاء السليمي فلم أجده في بيته . قال : فنظرت فإذا هو في ناحية الحجرة جالس وإذا حوله بلل ، قال : فظننت أنه أثر وضوء توضأه . فقالت لي عجوز معه في الدار : أثر دموعه . سوار أبو عبيدة قال : قالت لي امرأة عطاء السليمي : عاتب عطاء في كثرة البكاء ، فعاتبته فقال لي : يا سوار كيف تعاتبني في شيء ليس هو إليّ ؟ إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب اللّه وعقابه تمثلت لي نفسي بهم فكيف لنفس تغلّ يدها إلى عنقها وتسحب في النار ؟ ألا تصيح فتبكي ؟ وكيف لنفس تعذّب ألا تبكي ؟ ويحك يا سوار وما أقل غناء البكاء عن أهله إن لم يرحمهم اللّه . بشر بن منصور قال : قلت لعطاء السليمي : يا عطاء لماذا الحزن ؟ قال : ويحك الموت في عنقي ، والقبر بيتي ، وفي القيامة موقفي ، وعلى جسر جهنم طريقي ، وربي لا أدري ما يصنع بي ، ثم تنفس فغشي عليه . فترك خمس صلوات . فلما
--> ( 1 ) أي غضبت : ( 2 ) سجر التنور : أحماه .