ابن الجوزي

188

صفة الصفوة

ننتظره ليخرج أو لنسمع له حركة فنستأذن عليه . فجعل يترنّم بشيء لم نفهمه . ثم بكى حتى جعلنا نأوى له من شدة بكائه . ثم جعل يشهق وتنفس حتى غشي عليه . قال : فقال لي عبد الواحد : انطلق ليس لنا مع هذا اليوم عمل ، هذا رجل مشغول بنفسه . الحارث بن سعيد قال : كنا عند مالك بن دينار وعندنا قارئ يقرأ : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [ الزلزلة آية 1 ] فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون ويصرخون حتى انتهى إلى هذه الآية : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة الآيتان 7 و 8 ] قال : فجعل مالك ، واللّه ، يبكي ويشهق حتى غشي عليه . فحمل بين القوم صريعا . عبد اللّه بن مرزوق قال : بلغني أن مالك بن دينار دخل المقابر ذات يوم فإذا رجل يدفن ، فجاء حتى وقف على القبر فجعل ينظر إلى الرجل وهو يدفن فجعل يقول : مالك ، غدا هكذا يصير وليس له شيء يتوسّده في قبره . فلم يزل يقول : غدا مالك هكذا يصير ، حتى خرّ مغشيا عليه في جوف القبر فحملوه فانطلقوا به إلى منزله مغشيا عليه . مسمع بن عاصم قال : قال مالك بن دينار ، ورأى إنسانا يضحك ، فقال : ما أحبّ أن قلبي فرغ لمثل هذا وأن لي ما حوت البصرة من الأموال والعقد . عبد اللّه العبدي قال : حدثنا جعفر عن مالك قال : إن في بعض الكتب أن اللّه عزّ وجلّ يقول : إن أهون ما أنا صانع بالعالم إذا أحبّ الدنيا أن أخرج حلاوة ذكري من قلبه . عبد الملك بن قريب « 1 » قال : حدثني رجل صالح من أهل البصرة قال : وقع حريق في بيت مالك بن دينار فأخذ المصحف وأخذ القطيفة فأخرجهما . فقيل له : يا أبا يحيى ، البيت . فقال : ما فيه إلا السندانة ما أبالي أن يحترق . قال الدّورقي ، وذكر عبد اللّه بن المبارك ، قال : وقع حريق بالبصرة فأخذ مالك

--> ( 1 ) هو الأصمعي .