ابن الجوزي

185

صفة الصفوة

جعفر بن سليمان قال : قال مالك بن دينار : لقد هممت أن آمر إذا متّ أن أغلّ فأدفع إلى ربّي مغلولا كما يدفع الآبق إلى مولاه . جعفر قال : سمعت مالك بن دينار يقول : ينطلق أحدكم فيتزوج ديباجة الحرم ، يعني أجمل الناس ، أو ينطلق إلى جارية قد سمّنها أبوها كأنها زبدة ، فيتزوجها فتأخذ بقلبه فيقول لها : أيّ شيء تريدين ؟ فتقول : خمار خزّ ، وأيّ شيء تريدين ؟ فتقول كذا وكذا . قال مالك : فتمرط « 1 » واللّه دين ذلك القارئ ويدع أن يتزوجها يتيمة ضعيفة فيكسوها فيؤجر ويدهنها فيؤجر . قال : وسمعت مالكا يقول : كان حبر من أحبار بني إسرائيل قال ، فرأى بعض بنيه يوما غمز النساء ، فقال : مهلا يا بنيّ . قال : فسقط من سريره ، فانقطع نخاعه فأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيش ، وأوحى اللّه تعالى إلى نبيّهم أن أخبر فلانا الحبر أنّي لا أخرج من صلبك صديقا أبدا ما كان غضبك لي إلا أن قلت : مهلا يا بنيّ مهلا . رياح بن عمرو القيسي قال : سمعت مالك بن دينار يقول : ما من أعمال البر شيء إلا دونه عقبة فإن صبر صاحبها أفضت به إلى روح ، وإن جزع رجع . عثمان بن إبراهيم قال : سمعت مالك بن دينار يقول لرجل من أصحابه : إني لأشتهي رغيفا بلبن رائب . قال : فانطلق فجاء به قال : فجعله على الرغيف . فجعل مالك يقلّبه وينظر إليه ثم قال : اشتهيتك منذ أربعين سنة فغلبتك حتى كان اليوم ، وتريد أن تغلبني ؟ إليك عني وأبى أن يأكله . مسلم قال : قال مالك بن دينار : منذ عرفت الناس لم أفرح بمدحهم . ولم أكره مذمّتهم . قيل : ولم ذاك ؟ قال : لأن حامدهم مفرط وذامّهم مفرط . سلام بن أبي مطيع قال : دخلنا على مالك بن دينار ليلا وهو في بيت بغير سراج وفي يده رغيف يكدمه « 2 » . فقلنا له : أبا يحيى ألا سراج ؟ ألا شيء تضع عليه

--> ( 1 ) مرط الشعر أو الريش : نتفه . ( 2 ) الكدم : العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار ، وبابه ضرب ونصر .