ابن الجوزي

144

صفة الصفوة

يسألك الجنة ؟ ثم رجع فأصبح كأنه بات على الحشايا وأصبحت وبي من الفترة « 1 » شيء اللّه به عليم . قال : فلما دنوا من أرض العدوّ قال الأمير : لا يشذّنّ أحد من العسكر . قال فذهبت بغلته بثقلها فأخذ يصلّي . فقالوا له : إن الناس قد ذهبوا فمضى ثم قال : دعوني أصلّي ركعتين . فقالوا : الناس قد ذهبوا . قال : إنهما خفيفتان . قال : فدعا ثم قال : اللهم إني أقسم عليك أن تردّ بغلتي وثقلها . قال : فجاءت حتى قامت بين يديه . قال : فلما لقينا العدوّ حمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا . فكسر ذلك العدوّ فقالوا : رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا ؟ فأعطوا المسلمين حاجتهم . عن أبي السليل : أن صلة بن أشيم حدّثه قال : كنت أسير على دابة لي إذ جعت جوعا شديدا فلم أجد أحدا يبيعني طعاما وجعلت أتحرّج أن أصيب من أحد من الطريق شيئا . فبينما أنا أسير حسبت أنه قال : أدعو ربّي عزّ وجلّ وأستطعمه . إذ سمعت وجبة « 2 » من خلفي فالتفتّ فإذا أنا بمنديل أبيض فنزلت عن دابتي فأخذت الثوب فإذا فيه دوخلة « 3 » ملأى رطبا . قال : فأخذته وركبت دابتي فأكلت منه حتى شبعت وأدركني المساء فنزلت إلى راهب في دير له فحدّثته الحديث . قال : فاستطعمني من الرطب فأطعمته رطبا : ثم إني مررت على ذلك الراهب فإذا نخلات حسان حمال فقال : إنهن لمن رطباتك التي أطعمتني . وجاء بالثوب إلى أهله فكانت امرأته تريه الناس . عن رجل من بني عدي قال : لما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمّام ثم أدخله بيتا مطيّبا فقام يصلّي فقامت فصلّت . فلم يزالا يصلّيان حتى برق الفجر . قال : فأتيته فقلت : أي عمّ أهديت إليك ابنة عمّك الليلة فقمت تصلّي وتركتها ؟

--> ( 1 ) أي من التعب والضعف . ( 2 ) وجب القلب وجيبا اضطرب ، والوجبة بوزن الضربة السقطة مع الهدة ، قال اللّه تعالى : « فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها » ووجب الميت إذا سقط ومات . ( 3 ) الدوخلة : ما ينسج من الخوص ويجعل فيه الرطب بتشديد اللام وتخفيفها .