ابن الجوزي

143

صفة الصفوة

قال : فكان كذلك يمرّ بهم فيعظهم . فمرّ بهم ذات يوم فقال لهم هذه المقالة . فقال شاب منهم : يا قوم إنه واللّه ما يعني بهم غيرنا ، نحن بالنهار نلهو وبالليل ننام . ثم اتّبع صلة فلم يزل يختلف معه إلى الجبّان ويتعبّد معه حتى مات . حماد بن زيد قال : حدثنا ثابت أن صلة وأصحابه مرّ بهم فتى يجرّ ثوبه فهمّ أصحاب صلة أن يأخذوه بألسنتهم أخذا شديدا فقال صلة : دعوني أكفكم أمره . فقال : يا ابن أخي إن لي إليك حاجة . قال : وما حاجتك ؟ قال أن ترفع إزارك . قال : نعم ونعمى عين . فرفع إزاره . فقال صلة لأصحابه : هذا كان أمثل مما أردتم ، لو شتمتموه لشتمكم . حماد بن سلمة قال : أنبأ ثابت أن أخا لصلة بن أشيم مات فجاء رجل وهو يطعم . فقال : يا أبا الصهباء إن أخاك مات ، فقال : هلمّ فكل قد نعي لنا ، ادن فكل . فقال : واللّه ما سبقني إليك أحد ، فمن نعاه ؟ قال : يقول اللّه عزّ وجل : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ سورة الزمر آية 30 ] . عن معاذة قالت : كان أبو الصهباء يصلّي حتى ما يستطيع أن يأتي فراشه إلا زحفا . حماد بن جعفر بن زيد أن أباه أخبره قال : خرجنا في غزاة إلى كابل « 1 » ، وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة . فقلت : لأرمقنّ عمله فأنظر ما يذكر الناس من عبادته . فصلّى العتمة ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس حتى قلت هدأت العيون ، وثب فدخل غيضة قريبا منه ودخلت في أثره فتوضّأ ثم قام يصلي . قال : وجاء أسد حتى دنا منه . قال فصعدت في شجرة . قال : فتراه التفت ؟ أو عدّه جرذا . حتى سجد فقلت : الآن يفترسه فجلس ثم سلّم فقال : أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر . فولّى وإن له لزئيرا تصدّع الجبال منه . فما زال كذلك . فلما كان عند الصبح جلس فحمد اللّه عزّ وجل بمحامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء اللّه . ثم قال : اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ، أو مثلي يجترئ أن

--> ( 1 ) عاصمة أفغانستان اليوم .