ابن الجوزي

139

صفة الصفوة

الآخرة ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد رغيفيه فيأكل ثم يهجع هجعة خفيفة ، ثم يقوم . فإذا أسحر تناول رغيفه الآخر فأكله ثم شرب عليه شربة من ماء ثم يخرج إلى المسجد . قال خلف : وحدثني بعض أصحابنا قال : كان منصور بن زاذان يفعل هذا كله ويفضل بخصلة : لا يبيت كلّ ليلة حتى يبلّ عمامته بدموعه ثم يضعها . عن أبي العلاء بن عبد اللّه بن الشخير قال : أخبرني ابن أخي عامر بن عبد قيس أن عامرا كان يأخذ عطاءه فيجعله في طرف ردائه فلا يلقى أحدا من المساكين يسأله إلا أعطاه . فإذا دخل إلى أهله رمى به إليهم فيعدّونها فيجدونها كما أعطيها . عمارة بن عبد اللّه العنبري ، وابنه ، وثابت أبو الفضل ، قالوا : ما رأينا عامر بن عبد قيس متطوعا في مسجدهم قطّ . قال وكان آخر من يدخل المسجد ، وأول من يخرج منه . عبد اللّه بن الشخير قال : كنا نأتي عامر بن عبد اللّه وهو يصلّي في مسجده فإذا رآنا تجوّز في صلاته ثم انصرف فقال لنا : ما تريدون ؟ وكان يكره أن يرونه يصلّي . عن سحيم ، مولى بني تميم ، قال : جلست إلى عامر بن عبد اللّه وهو يصلّي فتجوز في صلاته ثم أقبل عليّ فقال : أرحني بحاجتك فإني أبادر ؟ قلت : وما تبادر ؟ قال : ملك الموت رحمك اللّه ؟ قال : فقمت عنه وقام إلى صلاته . عن أبي عبدة العنبري قال : لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحقّ « 1 » معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه : ما رأينا مثل هذا قطّ ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه . فقالوا له : هل أخذت منه شيئا ؟ فقال : أما واللّه لولا اللّه ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأنا : فقالوا : من أنت ؟ فقال : لا واللّه لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم ليقرّظوني ، ولكنّي أحمد اللّه وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس .

--> ( 1 ) أي وعاء .