ابن الجوزي

118

صفة الصفوة

معاوية بن عمرو قال : كان بهيم رجلا طوالا شديد الأدمة إذا رأيته رأيت رجلا حزينا . شهاب بن عباد قال : رأيت بهيما العجلي وكان قد بكى حتى سقطت أشفاره « 1 » ، وكان رطب العينين جدا . فقلت لابن أخ له ، ما شأنه يمس عينيه كثيرا ؟ قال : قد فسدت من كثرة ما يبكي ، فهي تحكه وتضرب عليه . معاذ بن زياد قال : لما اتخذت عبّادان سكنها قوم نسّاك فيهم رجل يقال له بهيم وكان رجلا حزينا يزفر الزفرة فتسمع زفيره . مخوّل قال : جاءني بهيم يوما فقال لي : تعلم لي رجلا من جيرانك أو إخوانك يريد الحج ترضاه يرافقني ؟ قلت : نعم . فذهبت إلى رجل من الحيّ له صلاح ودين فجمعت بينهما وتواطيا على المرافقة . ثم انطلق بهيم إلى أهله ، فلما كان بعد أتاني الرجل فقال : يا هذا أحب أن تزوي عني صاحبك وتطلب رفيقا غيري . فقلت : ويحك فلم ؟ فو اللّه ما أعلم في الكوفة له نظيرا في حسن الخلق والاحتمال ، ولقد ركبت معه البحر فلم أر إلا خيرا . قال : ويحك حدّثت أنه طويل البكاء لا يكاد يفتر ، فهذا ينغّص علينا العيش سفرنا كلّه . قال : قلت : ويحك إنما يكون البكاء أحيانا عند التذكرة يرقّ القلب فيبكي الرجل ، أو ما تبكي أنت أحيانا ؟ قال : بلى ولكنه قد بلغني عنه أمر عظيم جدا من كثرة بكائه . قال : قلت : اصحبه فلعلك أن تنتفع به . قال : أستخير اللّه . فلما كان اليوم الذي أرادا أن يخرجا فيه جيء بالإبل ووطّئ لهما فجلس بهيم في ظل حائط فوضع يده تحت لحيته وجعلت دموعه تسيل على خدّيه ، ثم على لحيته ثم على صدره حتى واللّه رأيت دموعه على الأرض . قال : فقال لي صاحبي : يا مخوّل قد ابتدأ صاحبك ، ليس هذا لي برفيق . قال : قلت : ارفق ، لعله ذكر عياله ومفارقته إياهم فرقّ . وسمعها بهيم فقال : يا أخي واللّه ما هو بذاك وما هو إلا أنّي ذكرت بها الرحلة إلى الآخرة . قال : وعلا صوته بالنحيب .

--> ( 1 ) الأشفار أصل منبت الجفن