ابن الجوزي

9

صفة الصفوة

قال أبو إسحاق الحربي : كان هشيم رجلا كان أبوه صاحب صحناة « 1 » وكواميخ « 2 » ، يقال له بشير . وطلب ابنه هشيم الحديث فاشتهاه ، وكان أبوه يمنعه . فكتب الحديث حتى جالس أبا شيبة القاضي ، وكان يناظر أبا شيبة في الفقه ، فمرض هشيم ، فقال أبو شيبة : ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا ؟ قالوا : عليل . فقال : قوموا بنا حتى نعوده . فقام أهل المجلس جميعا يعودونه حتى صاروا إلى منزل بشير ، فدخلوا إلى هشيم فجاء رجل إلى بشير ويده في الصحناة فقال : الحق ابنك قد جاء القاضي يعوده . فجاء بشير والقاضي في داره . فلما خرج قال لابنه : يا بنيّ قد كنت أمنعك من طلب الحديث فأما اليوم فلا ، صار القاضي يجيء إلى بابي ، متى أملت هذا . قال الحربي : وكان حفاظ الحديث أربعة ، هشيم شيخهم ، يزعمون أنه ما رئي له إلا دفتر واحد . عبد اللّه بن أحمد قال : سمعت أبي يقول : لزمت هشيما أربع سنين ، أو خمس سنين ، ما سألته عن شيء هيبة إلا مرتين . قال لي : وكان هشيم كثير التسبيح بين الحديث ، يقول بين ذلك : لا إله إلا اللّه ، يمدّ بها صوته . محمد بن حاتم المؤدب قال : قيل لهشيم ، كم كنت تحفظ يا أبا معاوية ؟ قال : كنت أحفظ في مجلس مائة ولو سئلت عنها بعد شهر لأجبت . نصر بن بسام وغيره من أصحابنا قالوا : أتينا أبا محفوظ معروفا الكرخي فقال لنا : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم في النوم وهو يقول لهشيم : يا هشيم : جزاك اللّه عن أمتي خيرا . قال ابن بسام : فقلت : يا أبا محفوظ أنت رأيته ؟ قال : نعم ، هشيم خير مما نظن ، هشيم خير مما نظن ، رضي اللّه عن هشيم .

--> - السلمي أبو معاوية الواسطي نزيل بغداد ، كان من الحفاظ الثقات المتقين لكنه معدود في المدلسين ومع ذلك فقد أجمعوا على صدقه وأمانته وثقته وعدالته ، قال وهب بن جرير : قلنا لشعبة : نكتب عن هشيم قال : نعم ولو حدثكم عن ابن عمر فصدقوه . ( 1 ) الصحناة بالكسر : إدام يتخذ من السمك يمد ويقصر والصحناءة أخص منه . ( 2 ) الكامخ : الذي يؤتدم به ، معرب .