ابن الجوزي

98

صفة الصفوة

فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [ سورة المدثر آية 8 ] فخرج نادّا فما لحقوه إلا في الحمراء فردّوه . قال السني : وقال عمرو العتابي ، عن سفيان : ما من موطن من المواطن أشدّ عليّ من سكرة الموت أخاف أن يشدّد عليّ ، فاسأل التخفيف فلا أجاب فأفتتن . يوسف بن أسباط قال : قال لي سفيان ، وقد صلينا العشاء الآخرة ناولني المطهرة فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده . ونمت فاستيقظت وقد طلع الفجر فنظرت فإذا المطهرة بيمينه ويساره على خده ، فقلت : يا أبا عبد اللّه هذا الفجر قد طلع . قال : لم أزل منذ ناولتني هذه المطهرة أتفكّر في أمر الآخرة حتى الساعة . قال يوسف بن أسباط : كان سفيان الثوري إذا أخذ في الفكر بال الدم . أبو يزيد محمد بن حسان قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : ما عاشرت في الناس رجلا أرقّ من سفيان ، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة فما كان ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي : النار النار ، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات ، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه : اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلّم ، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار ، إلهي : إن الجزع قد أرّقني وذلك من نعمك السابغة عليّ ، إلهي : لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين ثم يقبل على صلاته . وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه . وما كنت أقدر أن انظر إليه استحياء وهيبة منه . إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال : كنا في مجلس الثوري وهو يسأل رجلا عما يصنع في ليله فيخبره ، حتى دار على القوم فقالوا : يا أبا عبد اللّه قد سألتنا فأخبرناك ، فأخبرنا أنت كيف تصنع في ليلك ؟ فقال : لها عندي أول الليل نومة تنام ما شاءت لا أمنعها إذا استيقظت فلا أقيلها واللّه . صالح بن خليفة الكوفي قال : سمعت سفيان الثوري يقول : إن فجّار القرّاء اتخذوا القرآن إلى الدنيا سلّما . قالوا : ندخل على الأمراء نفرّج عن المكروب ونتكلم في محبوس .