ابن الجوزي
90
صفة الصفوة
إليك حاجة فأخلني ، وعنده مسلمة بن عبد الملك . فقال عمر : أسرّ دون عمّك ؟ قال : نعم . فقال مسلمة وخرج وجلس بين يديه فقال : يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال : رأيت بدعة تمتها أو سنة فلم تحيها ؟ فقال له : يا بني أشيء حمّلك الرغبة إليّ أم رأي رأيته من قبل نفسك ؟ قال : لا واللّه ولكن رأي رأيته من قبل نفسي ، عرفت أنك مسؤول ، فما أنت قائل ؟ فقال له أبوه : رحمك اللّه وجزاك من ولد خيرا فو اللّه إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير . يا بني إن قومك قد شدّوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة وعروة ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء ، واللّه لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق في سببي محجة من دم ، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنّة ؟ حتى يحكم اللّه بيننا بالحق وهو خير الحاكمين . وعن إسماعيل بن أبي حكيم قال : دخل عبد الملك على أبيه عمر فقال : أين وقع لك رأيك فيما ذكر لك مزاحم من ردّ المظالم ؟ فقال : عليّ إنفاذه فرفع عمر يده ثم قال : الحمد للّه الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني : نعم يا بني أصلّي الظّهر إن شاء اللّه ثم أصعد المنبر فأردّها على رؤوس الناس فقال عبد الملك : يا أمير المؤمنين من لك بالظّهر ؟ ومن لك إن بقيت أن تسلم لك نيّتك ؟ فقال عمر : فقد تفرّق الناس للقائلة . فقال عبد الملك تأمر مناديك فينادي : الصلاة جامعة ثم يجتمع الناس فأمر مناديه فنادى . وعن ابن أبي عبلة قال : جلس عمر يوما للناس فلما انتصف النهار ضجر وملّ فقال للناس مكانكم حتى أنصرف إليكم . ودخل ليستريح ساعة فجاء إليه ابنه عبد الملك فسأل عنه فقالوا : دخل فاستأذن عليه فأذن له فلما دخل قال : يا أمير المؤمنين ما أدخلك ؟ قال : أردت أن أستريح ساعة قال : أو أمنت الموت أن يأتيك ورعيّتك على بابك ينتظرونك وأنت محتجب عنهم ؟ فقام عمر فخرج إلى الناس . وعن زياد بن أبي حسان أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك استوى قائما وأحاط به الناس فقال : واللّه يا بني لقد كنت برّا بأبيك ، واللّه ما زلت منذ وهبك اللّه لي مسرورا بك ولا واللّه ما كنت قط أشدّ سرورا ولا أرجى لحظي من