ابن الجوزي

87

صفة الصفوة

الدينار في النار وجعل ينفخ على الدينار حتى إذا احمرّ تناوله بشيء فألقاه على الخبث فنش فقال : أي عمة أما تأوين لابن أخيك من مثل هذا ؟ فقامت فخرجت على قرابته فقالت : تزوجون إلى آل عمر فإذا نزعوا الشبه جزعتم ؟ اصبروا له . وعن أبي سليم الهذلي قال : وخطب عمر بن عبد العزيز فقال : أما بعد فإن اللّه عزّ وجل لم يخلقكم عبثا ولم يدع شيئا من أمركم سدى ، وإن لكم معادا فخاب وخسر من خرج من رحمة اللّه وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض واشترى قليلا بكثير وفانيا بباق وخوفا بأمن ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها بعدكم الباقون ؟ كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين ، في كل يوم وليلة تشيّعون غاديا ورائحا إلى اللّه عزّ وجل قد قضى نحبه وانقضى أجله حتى تغيّبوه في صدع من الأرض في بطن صدع ثم تدعونه غير ممهّد ولا موسد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وسكن التراب وواجه الحساب مرتهنا بعمله فقيرا إلى ما قدم ، غنيّا عما ترك ، فاتقوا اللّه قبل نزول الموت وأيم اللّه إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب ما أعلم عندي وما يبلغني عن أحد منكم ما يسعه ما عندي إلا وددت أنه يمكنني تغييره حتى يستوي عيشنا وعيشه وأيم اللّه لو أردت غير ذلك من الغضارة والعيش لكان اللسان مني به ذلولا عالما بأسبابه ، ولكن سبق من اللّه عزّ وجل كتاب ناطق وسنّة عادلة دل فيها على طاعته ونهى فيها عن معصيته . ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وشهق وبكى الناس ، وكانت آخر خطبة خطبها . سعيد بن محمد الثقفي قال : سمعت القاسم بن غزوان قال : كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات : أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم * وكيف يطيق النوم حيران هائم فلو كنت يقظان الغداة لحرّقت * مدامع عينيك الدموع السّواجم بل أصبحت في النوم الطويل وقد دنت * إليك أمور مفظعات عظائم نهارك يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والردى لك لازم