ابن الجوزي

68

صفة الصفوة

وكان لا يدع صلاة الليل في الحضر والسفر . وكان يقول : عجبت للمتكبّر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدا جيفة ، وعجبت كلّ العجب لمن شكّ في اللّه وهو يرى خلقه ، وعجبت كلّ العجب لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى ، وعجبت كلّ العجب لمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء . وكان إذا أتاه السائل رحّب به وقال مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة ، وكلمه رجل فافترى عليه فقال : إن كنّا كما قلت فنستغفر اللّه ، وإن لم نكن كما قلت فغفر اللّه لك . فقام إليه الرجل فقبل رأسه وقال : جعلت فداك ، ليس كما قلت أنا فاغفر لي : غفر اللّه لك . فقال الرجل : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته . وعن شيبة بن نعامة قال : كان علي بن الحسين يبخل فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة . وعن محمد بن إسحاق قال : كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم . فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل . وعن أبي حمزة الثّمالي قال : كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ، ويقول : إن صدقة السر تطفئ غضب الربّ عزّ وجل . وعن عمرو بن ثابت قال : لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سود في ظهره ، فقالوا : ما هذا ؟ فقالوا : كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة . وعن ابن عائشة قال : قال أبي : سمعت أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السرّ حتى مات علي بن الحسين . وعن سفيان قال : أراد علي بن الحسين الخروج في حجّ أو عمرة فاتخذت له سكينة بنت الحسين « 1 » سفرة أنفقت عليها ألف درهم أو نحو ذلك ، وأرسلت بها إليه فلما كان بظهر الحرّة أمر بها فقسمت على المساكين .

--> ( 1 ) هي سكينة بنت الحسين بن علي واسمها أميمة وقيل أمينة ، وسكينة لقب وأمها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدي ، تزوجها - أي سكينة - مصعب بن الزبير ثم عبد اللّه بن عثمان بن عبد اللّه بن حكيم بن حزام ثم زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ، وجمالها -