ابن الجوزي
329
صفة الصفوة
فأخذته وقمت فأتيت بيت المرأة فطرقت الباب فخرج رجل من خواصّ مجلسي ومن الملازمين لي فلما رآني قال : ما لك هكذا ؟ فقلت : جئتكم بهذه الدنانير تستعينون بها على الوقت . فنظر إلي مغضبا وقال : يا شيخ تحذّرنا من الدنيا وتأتينا بها . ثم ردّ الباب في وجهي ودخل فرجعت منكسرا إلى بيتي . ثم قلت في نفسي : لا بد أن أعود إليه فأعتذر فأتيته في اليوم الثاني فطرقت الباب مرارا فلم يجبني أحد ، وإذا امرأة من الجيران تقول : ما لك يا رجل ؟ فقلت لها : ما فعل أهل هذه الدار ؟ فقالت : كان في هذه الدار رجل مع والدته وكنا نتبرك بهم فجاء بالأمس شيطان فكلّمهم بما كرهوا فانتقلوا عنا . قال : فعدت وأنا شديد الحزن على ما فعلت وجعلت أتفقد مجلسي ولا أرى الرجل . فلما كان يوم عرفة وأنا أتكلم على الناس رأيته في أواخرهم . فلما انقضى المجلس مضيت إليه وسلّمت عليه فرد علي وقال : لا تعد ما فات ، ولا تقل شيئا ، فلولا أني أعتقد كلامك دواء لقلبي لم أحضر وإنما غبت عنك لأنا انتقلنا إلى مكان آخر حتى لا نعرف . فقلت : ما أتيت إلا معتذرا وما أعود . ثم فارقته .