ابن الجوزي
327
صفة الصفوة
كنت مع أستاذي ، يعني أبا بكر الخلال ، وأنا غلام مشتدّ . فاجتمع جماعة يتذاكرون بعد عشاء الآخرة . فقال بعضهم لبعض : أليس مقبل يعني رجلا أسود كان ناطورا بباب حرب لنا مدة ما رأيناه ؟ فقاموا يقصدونه . وقال لي أستاذي ، يعني الخلال : لا تبرح ، أحفظ الباب . فتركتهم حتى مضوا وأغلقت الباب وتبعتهم فلما بلغنا بعض الطريق قال أستاذي : هو ذا أرى وراءنا شخصا آخر ، قفوا فقالوا لي : من أنت ؟ فأمسكت فزعا من أستاذي . فقال أحدهم لأستاذي : باللّه عليك إلا تركته فتركني ، ومضيت معه فدخلنا إلى قراح فيها باذنجان مملوء والأسود قائم يصلّي فسلموا وجلسوا إلى أن سلّم وأخرج كيسا فيه كسر يابسة وملح جريش . قال : كلوا فأكلوا وتحدثوا وأخذوا يذكرون كرامات الأولياء وهو ساكت . فقال واحد من الجماعة : يا مقبل قد زرناك فما تحدّثنا بشيء ؟ فقال : أيّ شيء أنا وأيّ شيء عندي أحدّثك ؟ أنا أعرف رجلا لو سأل اللّه تعالى أن يجعل هذا القراح الباذنجان ذهبا لفعل . فو اللّه ما استتمّ الكلام حتى رأينا القراح يتّقد ذهبا فقال له أستاذي ، يعني الخلال : يا مقبل ، لأحد سبيل أن يأخذ من هذا القراح أصلا واحدا ؟ فقال له : خذ وكان القراح مسقيّا . فأخذ أستاذي الأصل فقلعه بعروقه وجميع ما فيه ذهبا . فوقعت من الأصل باذنجانة صغيرة وشيء من الورق ، فأخذته وبقاياه معي إلى يومي . قال : ثم صلّى ركعتين وسأل اللّه تعالى فعاد القراح كما كان ، وعاد مكان ذلك الأصل أصل باذنجان آخر . 352 - عابد آخر محمد بن داود الرقّي قال : كنت مارا ببغداد وإذا بعض الفقراء يمرّ في الطريق وإذا مغنّ يغنّي ويقول : أمدّ كفيّ بالخضوع * إلى الذي جاد بالصنيع