ابن الجوزي

321

صفة الصفوة

فقلت في نفسي إن مضيت لم يكن لي معهم عيش . فاختفيت في الخرابات طول النهار . 343 - عبد الوهاب بن المبارك ابن أحمد الأنماطي ويكنى أبا البركات . سمع الكثير وكتب الكثير . وروي لنا عن أبي محمد الصّريفيني وابن النقور ، وخلق كثير من القدماء . وما عرفنا من مشايخنا أكثر سماعا منه ، ولا أكثر كتابة للحديث ، ولا أصبر على الإقراء ، ولا أحسن بشرا ولقاء ، ولا أسرع دمعة ولا أكثر بكاء . ولقد كنت أقرأ عليه الحديث في زمان الصّبا ولم أذق بعد طعم العلم ، فكان يبكي بكاء متّصلا ، وكان ذلك البكاء يعمل في قلبي وأقول : ما يبكي هذا هكذا إلا لأمر عظيم . فاستفدت ببكائه ما لم أستفد بروايته . وكان مجلسه منزّها عن غيبة الناس ، وكان رضي اللّه عنه على طريقة السلف ، وكنا ننتظره [ من ] يوم الجمعة ليأتي من داره بنهر القلائين إلى جامع المنصور ، فلا يأتي على قنطرة باب البصرة ؛ وإنما يمرّ على القنطرة العتيقة . فسألته عن سبب هذا . فقال : كانت تلك دار ابن معروف القاضي ، فلما قبض عليه بنيت قنطرة . قال : وحدثنا أبو محمد التميمي عنه أنه أحل من يعبر عليها غير أني لا أفعل . وكان مولده في رجب سنة اثنتين وستين . وتوفّي يوم الخميس الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وثلاثين وخمس مائة . وعدته في مرضه وقد بلي وذهب لحمه ، فقال لي : إن اللّه عزّ وجل لا يتّهم في قضائه .