ابن الجوزي

309

صفة الصفوة

وعن علي بن محمد الحسن المالكي قال : جاء رجل إلى عبد الصمد بمائة دينار ليدفعها إليه فقال له : أنا غني عنها فقال : فرّقها على أصحابك هؤلاء فقال : ضعها على الأرض ففعل . فقال عبد الصمد للجماعة : من احتاج منكم إلى شيء فليأخذ على قدر حاجته فتوزعها الجماعة على صفات مختلفة من القلة والكثرة ولم يمسها هو بيده ثم جاءه ابنه بعد ساعة فطلب منه شيئا فقال له : اذهب إلى البقال فخذ منه ربع رطل تمرا . وقال التنوخي : كنت يوم الجمعة في جامع المنصور والخطيب على المنبر وعلى يساري علي بن طلحة المقري البصري فمددت عيني فرأيت عبد الصمد بالقرب مني فهممت بالنهوض إليه ، وكان صديقا لي ، فاحتشمت من القيام في مثل ذلك الوقت مع قرب قيام الصلاة . فقام ومشى نحوي فقمت إليه فقال لي : اجلس أيها القاضي فليس إليك قصدت ولا لك أردت بمجيئي إنما هذا أردت وإليه قصدت يعني ابن طلحة وذلك أن نفسي تأباه وتكرهه فأردت أن أذلّها بقصده وأخالف إرادتها ، فقصدته . فقام ابن طلحة إليه وقبّل رأسه ، وعاد عبد الصمد إلى موضعه . وعن محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه السكّري قال : اجتاز عبد الصمد يوما بسوق الطعام فرأى غلاما يقال له عزيز وقد خرج مع العيّارين ، وكانت أيامهم ، والناس مجتمعون عليه ، وأبواه يبكيان ويعذلانه ويأبى عليهم . فلما أكثرا عليه قال لهما مثلي يقول شيئا يرجع عنه ؟ قد قلت لأصحابي إنّي منكم ، أمضيا أطلبا عزيزا غيري ، شاروفتي في جيبي . يقال عبد الصمد : رأيته قد تابع الهوى على الوفاء ، مع علمه بأنه إذا وقع في الشدائد لا يجيره فبايعت ربي على الوفاء مع علمي بأني إذا وقعت في الشدائد يجيرني . فاجتزت يوما بباب درب الديزج ، فشممت روائح طيبة فطالبتني نفسي بشيء منها فقلت : أطلبي عبد الصمد غيري شاروفتي في جيبي . قال : وسمعت عبد الصمد يقول : كنت يوما أمشي في بعض الطرق وإذا بساع قد أقبل من عدوه وقد بقي عليه من الطريق بقيّة ، والناس يستقبلونه بالتّحف . فقال