ابن الجوزي
306
صفة الصفوة
من الشكر ، والبسوا لباسا من الذكر ، والتحفوا لحافا من الخوف ؛ تفوزوا بمدحة الرب اللّه أن تستهينوا بشيء يوجب الذم دون أن تستهينوا بما يوجب العقوبة . وسمعته يقول : يا هذا ، تظلّم إلى ربك منك ، واستنصره عليك ينصرك . وسمعته يقول : احزنوا على ما فاتكم ، وأسفوا على تقصيركم ، وأحرزوا بضائعكم من التلف لا تخرج القطّاع عليها . وسمعته يقول : كل داء عرف دواؤه فهو صغير ، والذي لم يعرف له دواء . كبير . وسمعته يقول : أجهد يا هذا أن يسرق منك ولا يسرق لك . وسمعته يقول : احذروا الصغائر فإن النقط الصغار آثار في الثوب النقي . وسمعته يقول : احذر أن ترى عملك لك ، فإن رأيته لك كنت ناظرا إلى ليس لك . وسمعته يقول : من الوقاحة تمنّيك مع توانيك . استوف من نفسك الحقوق ثم وفّها الحظوظ حسب ما يكفيها لا ما يطغيها ، قفها بين الجنة والنار تأباك الجنة بكل معنى وتقبلك النار بجملتك . وسمعته يقول : معنى قوله « لا يزال عبدي يتحبب إليّ حتى أحبّه » قال : حتى أظهر له حبّي لأنه لم يزل محبا . وسمعته يقول : الخير كله في هذا الزمان ترك ما الناس عليه ، ومصّ النوى ، وسفّ الرمل - وأنشدنا : لو كلّ جارحة منيّ لها لغة * تثنى عليك بما أوليت من حسن لكان ما زان شكري إذ أشرت به * إليك أزيد في الإحسان والمنن وأنشدنا أيضا - : حاشاك من أن ترابى * محمد يحبّك خوفا لم يبق مني وفاء * إلا وما منك أوفى أفنيتني عن جميعي * فصرت أهواك طرفا