ابن الجوزي

248

صفة الصفوة

وعن محمد بن علي الحربي قال سمعت سريا يقول : حمدت اللّه مرة وأنا أستغفر اللّه من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة . قيل : وكيف ذلك ؟ قال : كان لي دكّان وكان فيه متاع ، فوقع الحريق في سوقنا فقيل لي ، فخرجت أتعرّف خبر دكّاني ، فلقيت رجلا فقال أبشر فإن دكّانك قد سلم . فقلت : الحمد للّه . ثم أفكرت فرأيتها خطيئة . وعن الجنيد بن محمد قال : دخلت على سريّ السقطي فسلمت وجلست فقال لي : أقرب مني . فقربت منه فأخذ بيدي وقال لي : أعلم يا بني أن الشوق والأنس يرفرفان على القلب ، فإن وجدا هنالك الهيبة والإجلال حلّا وإلّا رحلا . وعن ابن مسروق قال : سمعت سريا يقول : ثلاث من كنّ فيه استكمل الإيمان : من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق ، وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له . وعن جنيد قال : سمعت سريا يقول : إذا فاتني شيء من وردي لم أقدر أن أعيده . قال جنيد : كان سريّ متصل الشغل وكان إذا فاته شيء لا يقدر أن يعيده ، وكذا كان عمر بن الخطاب لم يكن له وقت ينام فيه ، فكان ينعس وهو قاعد ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ألا تنام ؟ فقال : كيف أنام ؟ إن نمت بالنهار ضيّعت أمور المسلمين ، وإن نمت بالليل ضيّعت حظي من اللّه عزّ وجل . وعنه قال : أخبرنا سري السقطي قال : صلّيت ليلة ثم جلست ساعة ومددت رجلي . فنوديت في سرّي : يا سريّ من جالس الملوك ينبغي أن يحسن الأدب . وعن حسن البزار قال : كان أحمد بن حنبل هاهنا ، وكان بشر بن الحارث ههنا ، وكنا نرجو أن يحفظنا اللّه بهما . ثم ماتا وبقي سريّ فإني أرجو أن يحفظنا اللّه بسريّ . وعن الجنيد قال : ما رأيت أعبد للّه من السريّ السقطي . أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رئي مضطجعا إلّا في علّة الموت .