ابن الجوزي

218

صفة الصفوة

وعن أبي الحسن أحمد بن محمد الزعفراني قال : سمعت أبي يحكي عن بشر أنه قال : ربما رفعت يدي في الدّعاء فأردّها أو قال : فاستلّها . أقول : إنما يفعل هذا من له عنده وجه . وعن الفتح بن شحرف قال : كنت جالسا عند بشر إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة ، فأطرق مليا ثم رفع رأسه ثم أطرق ثم رفع رأسه ، فقال : اللهم إنك تعلم أني أخاف أن أتكلم ، اللهم إنّك تعلم أني أخاف أن أسكت ، اللهم إنك تعلم أني أخاف أن تأخذني فيما بين السكوت والكلام . وعن زبدة أخت بشر بن الحارث قالت : دخل بشر عليّ ليلة من الليالي فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارج الدار ، وبقي كذلك يتفكر حتى أصبح فلما أصبح قلت له : في ما ذا تفكّرت طول الليلة ؟ قال : تفكرت في بشر النصراني ، وبشر اليهودي ، وبشر المجوسي ، ونفسي واسمي بشر . فقلت : ما الذي سبق منك حتى خصّك ؟ فتفكّرت في تفضّله عليّ وحمدته علي أن جعلني من خاصّته وألبسني لباس أحبائه . وعن أحمد بن نصر قال : سمعت بشرا يقول : يا مازني ليت لا يكون حظّي من اللّه هذا الذي يقول الناس بشر بشر - ورأيت أشفار عينيه قد ذهبت من البكاء . وعن الحسن بن عمرو قال : سمعت بشر بن الحارث يقول : لو علمت أن رضاه أن أشدّ في رجلي حجرا ثم ألقي نفسي في البحر ، لفعلت . وعن عباس بن دهقان قال : قلت لبشر بن الحارث : أحب أن أخلو معك . قال : إذا شئت ، فبكرت يوما فرأيته قد دخل قبة فصلّى فيها أربع ركعات لا أحسن أن أصلي مثلها . فسمعته يقول في سجوده : اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الذلّ أحب إلي من الشرف ، اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الفقر أحبّ إليّ من الغنى ، اللهم إنك تعلم فوق عرشك أني لا أوثر على حبّك شيئا . فلما سمعته أخذني الشهيق والبكاء . فلما سمعني قال : اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن هذا ههنا لم أتكلّم . وقال أحمد بن حنبل : واللّه إن بين أظهركم رجلا ما هو عندي بدون عامر بن عبد اللّه ، يعني بشر بن الحارث .