ابن الجوزي

208

صفة الصفوة

المؤذن خرجت وتطهّرت وصلّيت في المسجد جماعة ثم رجعت ، فإذا كان وقت العصر فكذلك . قلت : نعم . فقام معي فجئنا المنزل ، فوافقته على ما ينقله من موضع إلى موضع فشدّ وسطه وجعل يعمل ولا يكلمني بشيء . حتى إذا أذّن المؤذن للظهر قال : يا عبد اللّه قد أذّن المؤذن . قلت : شأنك . فخرج فصلّى فلما رجع عمل أيضا عملا جيّدا إلى العصر . فلما أذّن المؤذن قال : يا عبد اللّه قد أذّن المؤذن . قلت : شأنك فخرج فصلّى . ثم رجع فلم يزل يعمل إلى آخر النهار فوزنت له أجرته وانصرف . فلما كان بعد أيام احتجت إلى عمل فقالت لي زوجتي : اطلب لنا ذلك الصانع الشاب فإنه قد نصحنا في عملنا فجئت السوق فلم أره . فسألت عنه فقالوا : تسأل عن ذلك المصفّر المشئوم الذي لا نراه إلّا من سبت إلى سبت ؟ لا يجلس إلا وحده في آخر الناس . فانصرفت . فلما كان يوم السبت أتيت السوق فصادفته فقلت : تعمل ؟ فقال : قد عرفت الأجرة والشرط . قلت : استخر اللّه تعالى . فقام فعمل على النحو الذي كان عمل . قال : فلما وزنت له الأجرة زدته فأبى أن يأخذ الزيادة . فألححت عليه فضجر وتركني ومضى . فغمّني ذلك فاتّبعته وداريته حتى أخذ أجرته فقط . فلما كان بعد مدة احتجنا أيضا إليه فمضيت في يوم السبت فلم أصادفه . فسألت عنه فقيل لي : هو عليل وقال لي من كان يخبر أمره : إنما كان إلى السوق من سبت إلى سبت ، يعمل بدرهم ودانق ، يتقوّت كل يوم دانقا ، وقد مرض . فسألت عن منزله فأتيته وهو في بيت عجوز فقلت لها : هذا الشاب الروزجاري فقالت : هو عليل منذ أيام . فدخلت عليه فوجدته لما به ، وتحت رأسه لبنة . فسلمت عليه وقلت : لك حاجة ؟ قال : نعم إن قبلت . قلت : أقبل إن شاء اللّه [ تعالى ] . قال : إذا أنا متّ فبع هذا المرّ واغسل جبّتي هذه الصوف ، وهذا المئزر ، وكفني بهما وافتق جيب الجبة فإن فيها خاتما فخذه ، ثم انظر يوم يركب هارون الرشيد الخليفة فقف له في موضع يراك فكلّمه وأره الخاتم فإنه سيدعو بك فسلّم إليه الخاتم ولا يكن هذا إلا بعد دفني . قلت : نعم .