ابن الجوزي

206

صفة الصفوة

قال : فأقبل عليّ أهلي وقالت : فعل اللّه بك ، ما أردت إلى رجل عمل لك عملا بدرهم أن أفسدت عليه ؟ قال فجئت يوما أسأل عنه فقيل لي مريض . فاستدللت على بيته فأتيته فاستأذنت عليه فدخلت وهو مبطون ، وليس في بيته شيء إلا ذلك المرّ والزّبيل ، فسلمت عليه ، وقلت له : لي إليك حاجة ، وتعرف فضل إدخال السرور على المؤمن : أحبّ أن تجيء إلى بيتي أمرّضك . قال : وتحب ذلك ؟ قالت : نعم . قال : بشرائط ثلاث . قلت : نعم . قال : لا تعرض علي طعاما حتى أسألك ، وإذا أنا متّ أن تدفنني في كسائي وجبّتي هذه . قلت : نعم . قال : والثالثة أشدّ منهما وهي شديدة . قلت : وإن كان . . قال : فحملته إلى منزلي عند الظهر . فلما أصبحت من الغد ناداني : يا عبد اللّه . فقلت : ما شأنك ؟ قال : قد احتضرت ، افتح صرة على كمّ جبتي . قال : ففتحتها فإذا فيها خاتم عليه فصّ أحمر . فقال : إذا أنا متّ ودفنتني فخذ هذا الخاتم ثم ادفعه إلى هارون أمير المؤمنين وقل له يقول لك صاحب هذا الخاتم : ويحك لا تموتنّ على سكرتك هذه ، فإنك إن متّ على سكرتك هذه ندمت . فلما دفنته ، سألت عن يوم خروج هارون أمير المؤمنين وكتبت قصّة وتعرّضت له . قال : فدفعتها إليه وأوذيت أذى شديدا فلما دخل قصره وقرأ القصة قال : عليّ بصاحب هذه القصة . قال : فأدخلت عليه وهو مغضب قال : تتعرّضون لنا وتفعلون ؟ فلما رأيت غضبه أخرجت الخاتم فلما نظر إلى الخاتم قال : من أين لك هذا الخاتم ؟ قلت : دفعه إليّ رجل طيّان . فقال لي : طيّان طيّان . وقرّبني منه . فقلت له : يا أمير المؤمنين إنه أوصاني بوصية . فقال لي : ويحك قل . فقلت : يا أمير المؤمنين إنه أوصاني إذا أوصلت إليك هذا الخاتم فقل له : يقرئك صاحب هذا الخاتم السلام ويقول لك : ويحك لا تموتنّ على سكرتك هذه فإنك إن متّ على سكرتك هذه ندمت . فقام على رجليه قائما وضرب بنفسه على البساط وجعل يتقلب عليه ويقول يا بنيّ نصحت أباك . فقلت في نفسي : كأنه ابنه . ثم جلس وجاءوا بالماء فمسحوا وجهه وقال لي :