ابن الجوزي
173
صفة الصفوة
سمعت الخراساني يقول : يا معاشر الحاجّ وفد اللّه من الحاضر والبادي ، من وجد هميانا فيه ألف دينار فردّه أضعف اللّه له الثواب . قال : فقام إليه الشيخ فقال : يا خراسانيّ قد قلت لك بالأمس ونصحتك وبلدنا واللّه فقير قليل الزرع والضرع ، وقد قلت لك أن تدفع إلى واجده مائة دينار فلعله أن يقع بيد رجل مؤمن يخاف اللّه عزّ وجل فامتنعت ، فقل له عشرة دنانير منها فيردّه عليك ويكون له في العشرة الدنانير ستر وصيانة . قال : فقال له الخراسانيّ : لا نفعل ، ولكن نحيله على اللّه [ عزّ وجل ] قال : ثم افترقا . قال الطبري : فما اتّبعت الشيخ ولا الخراساني وجلست أكتب كتاب النسب للزبير بن بكار . فلما كان من الغد سمعت الخراساني ، ينادي ذلك النداء بعينه ، فقام إليه الشيخ فقال له : يا خراساني قلت لك أول أمس العشر منه ، وقلت لك أمس عشر العشر ، أعط دينار عشر عشر العشر يشتري بنصف دينار قريبة يستفي عليها للمقيمين بمكة بالأجرة وبنصف دينار شاة يحلبها ويجعل ذلك لعياله غذاء . قال : لا نفعل ، ولكن نحيله على اللّه [ عزّ وجل ] . قال : فجذبه الشيخ وقال له : تعال خذ هميانك ودعني أنام الليل ، وأرحنا من محاسبتك . فقال له : امش بين يدي فمشى الشيخ وتبعه الخراساني وتبعتهما فدخل الشيخ فما لبث أن خرج وقال ادخل يا خراسانيّ فدخل ودخلت . فنبش تحت درجة له مزبلة فأخرج منها الهميان أسود من خرق بخارية غلاظ فقال : هذا هميانك . فنظر إليه وقال : هذا همياني قال : ثم حل رأسه من شدّ وثيق ثم صب المال في حجر نفسه وقلّبه مرارا وقال : هذه دنانيرنا . وأمسك فم الهميان بيده الشمال وردّ المال بيده اليمنى فيه ثم شدّه شدا سهلا ووضعه على كتفه ثم أراد الخروج فلما بلغ باب الدار رجع فقال للشيخ : يا شيخ مات أبي رحمه اللّه وترك من هذه ثلاثة آلاف دينار فقال لي : أخرج ثلثها ففرّقه على أحق الناس عندك ، وبع رحلي واجعله نفقة لحجّتك . ففعلت ذلك ، وأخرجت ثلثها ألف دينار وشددتها في هذا الهميان ، وما رأيت منذ خرجت من خراسان إلى هاهنا رجلا أحقّ به منك خذه بارك اللّه لك فيه قال : ثم ولّى وتركه قال : فولّيت خلف الخراساني فعدا أبو غياث فلحقني وردّني وكان شيخا مشدود الوسط بشريط معصب الحاجبين ، ذكر أنّ له