ابن الجوزي
168
صفة الصفوة
فرأيت له في ذلك وجها لعذر فاقبل منه ، وإن لم تر ذلك فقل له : ما ذا أردت بما بلغني عنك ؟ فإن ذكر ماله وجه من العذر فاقبل منه ، وإن لم تر لذلك وجها لعذر وضاق عليك المسلك فحينئذ أثبتها عليه سيئة ، ثم أنت في ذلك بالخيار : إن شئت كافأته بمثله من غير زيادة وإن شئت عفوت عنه والعفو أقرب للتقوى وأبلغ في الكرم لقول اللّه تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ سورة الشورى آية : 40 ] فإن نازعتك نفسك بالمكافأة فأفكر فيما سبق له لديك من الإحسان فعدها ثم ابدر له إحسانا بهذه السيئة ، ولا تبخسن باقي إحسانه السالف بهذه السيئة فإن ذلك الظلم بعينه يا يونس إذا كان لك صديق فشد يديك به فإن اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهل . قال : وسمعت الشافعي يقول : يا يونس الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض والمنبسط . وعن أحمد بن الوزير قال : ثنا محمد بن إدريس الشافعي قال : قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة وليس من دل على شيء كمن أقبل وأجاز . قال : وتنقص رجل محمد بن الحسن عند الشافعي فقال له : مه لقد تلمظت بمضعة طالما لفظها الكرام . وعن الربيع بن سليمان قال : قال الشافعي : استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر . وعنه قال : سمعت الشافعي يقول : من ضحك منه في مسألة لم ينسها أبدا . وعنه قال : قال لي الشافعي : يا ربيع رضا الناس غاية لا تدرك ، فعليك بما يصلحك فالزمه فإنه لا سبيل إلى رضاهم ، واعلم أنه من تعلم القرآن جلّ في عيون الناس ، ومن تعلم الحديث قويت حجته ، ومن تعلم النحو هيب ومن تعلم العربية رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأيه ، ومن تعلم الفقه نبل قدره ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه ، وملاك ذلك كله التقوى .