ابن الجوزي

131

صفة الصفوة

فسررت بذلك وأحببت زيارتك وبي من الشوق إلى مجالستك والاستماع إلى محادثتك ما لو كان فوقي لأظلني ، ولو كان تحتي لأقلّني فسألتك بالذي حباك بالبلاغة لما ألحفتني جناح التوصل بزيارتك والسلام . قال أبو عامر فقمت مع الرسول حتى أتى بي إلى قباء فأدخلني منزلا رحبا خربا فقال لي : قف هاهنا حتى استأذن لك . فوقفت فخرج فقال لي : لج . فدخلت عليه فإذا ببيت مفرد في الخربة له باب من جريد النخل وإذا بكهل قاعد مستقبل القبلة تخاله من الوله مكروبا ومن الخشية محزوبا قد ظهرت في وجهه أحزانه وذهبت من البكاء عيناه ومرضت أجفانه ، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام ثم تحلل فإذا هو أعمى أعرج مسقام . فقال لي : يا أبا عامر غسل اللّه من ران الذنوب قلبك لم يزل قلبي إليك تواقا وإلى استماع الموعظة منك مشتاقا ، وبي جرح نغل قد أعيا الواعظين دواؤه وأعجز المتطببين شفاؤه وقد وصف لي : نفع مراهمك للجراح والألم فلا تأل يرحمك اللّه في إيقاع الترياق وإن كان مرّ المذاق فإني ممن يصبر على ألم الدواء رجاء الشفاء . قال أبو عامر : فنظرت إلى منظر بهرني وسمعت كلاما قطعني فأفكرت طويلا ثم تأتى لي من كلامي ما تأتى وسهل من صعوبته ما منه رقّ لي فقلت : يا شيخ إرم ببصر قلبك في ملكوت السماء وأجل سمع معرفتك في سكان الأرجاء فتنقل بحقيقة إيمانك إلى جنة المأوى فترى ما أعد اللّه فيها للأولياء ، ثم تشرف على نار لظى فترى ما أعد اللّه للأشقياء ، فشتّان ما بين الدارين ، أليس الفريقان في الأموات سواء ؟ قال أبو عامر : فأنّ أنّة وصاح صيحة وزفر والتوى وقال : اللّه يا أبا عامر وقع دواؤك على دائي وأرجو أن يكون عندك شفائي ، زدني يرحمك اللّه قال : فقلت له يا شيخ ، اللّه عالم بسريرتك مطّلع على حقيقتك شاهدك في خلوتك ، بعينه كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته ، قال : فصاح صيحة كصيحته الأولى ثم قال : من لفقري ؟ من لفاقتي ؟ من لذنبي ؟ من لخطيئتي ؟ أنت لي يا مولاي وإليك منقلبي . ثم خرّ ميتا رحمه اللّه . قال أبو عامر : فأسقط في يدي وقلت : ما ذا جنيت على نفسي إذ خرجت عليّ