ابن الجوزي

112

صفة الصفوة

فلن أعجّله قبل أجله ولو طلبته بقوة السماوات والأرض ، وشيء منها هو لغيري فلم أنله فيما مضى ، ولا أرجوه فيما بقي ، يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني ، ففي أي هذين أفني عمري ؟ ووجدت ما أعطيت من الدنيا شيئين فشئ يأتي أجله قبل أجلي فأغلب عليه ، وشيء يأتي أجلي قبل أجله فأموت وأخلّفه لمن بعدي ، ففي أي هذين أعصي ربي عزّ وجل ؟ . وعن حفص بن ميسرة قال : قال أبو حازم : عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة ، ويدعون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كلّ يوم مرحلة ! . وعن ابن عيينة قال أبو حازم : إني لأعظ وما أرى له موضعا وما أريد إلا نفسي ، وقال : لو أن أحدكم قيل له ضع ثوبك على هذا الهوف حتى يرمى لقال : ما كنت لأخرق ثوبي ، وهو يخرق دينه . وحلف أبو حازم لجلسائه : لوددت أنّ أحدكم يبقي على دينه كما يبقي على نعله . وعن فضيل بن عياض قال : قال أبو حازم أضمنوا لي اثنين أضمن لكم الجنة : عملا بما تكرهون إذا أحبّه اللّه تعالى ، وترك ما تحبّون إذا كرهه اللّه عزّ وجل . وعن يعقوب بن عبد الرحمن قال : سمعت أبا حازم يقول : يسير الدنيا يشغل عن كثير من الآخرة ، وقال : ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فقدّمه اليوم ، وما كرهت أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم . وقال : كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه ثم لا يضرّك متى مت . وقال : إنك لتجد الرجل يعمل بالمعاصي فإذا قيل له : أتحبّ أن تموت ؟ قال : يقول : وكيف ؟ وعندي ما عندي . فيقال له : أفلا تترك ما تعمل من المعاصي ؟ فيقول : ما أريد تركه وما أحب أن أموت حتى أتركه . وقال : شيئان إذا عملت بهما أصبت بهما خير الدنيا والآخرة : لا أطوّل عليك . قيل : وما هما أنا أبا حازم ؟ قال : تحمّل ما تكره إذا أحبّه اللّه ، وتترك ما تحبّ إذا كرهه اللّه . وعن محمد بن يحيى المازني قال : قال أبو حازم : رضي الناس من العمل بالعلم ومن الفعل بالقول .