ابن الجوزي
81
صفة الصفوة
صلّى اللّه عليه وسلم فخما ، مفخما ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع وأقصر من المشذّب عظيم الهامة ، رجل الشّعر ، إن انفرقت عقيقته « 1 » وفرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنته إذا هو وفرة ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزجّ الحواجب سوابغ في غير قرن ، بينهما عرق يدرّه الغضب ، أقنى العرنين « 2 » ، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشمّ ، كث اللحية ، سهل الخدين ، ضليع الفم ، مفلّج الأسنان ، دقيق المسربة ، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة ، معتدل الخلق ، بادن متماسك ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس ، أنور المتجرّد ، موصول ما بين اللّبّة « 3 » والسرة بشعر يجري كالخيط ، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين رحب الراحة ، شثن الكفين والقدمين ، سابل الأطراف أو قال : سائل الأطراف - خمصان الأخمصين ، مسيح القدمين ، ينبو عنهما الماء ، إذا زال زال قلعا - يخطو تكفّيا ويمشي هونا ، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جلّ نظره للملاحظة ، يسوق أصحابه ، ويبدر من لقيه بالسلام . قلت : فصف لي منطقه ، قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة ، طويل السّكت ، لا يتكلم في غير حاجة ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ، ويتكلم بجوامع الكلم فصلا ، لا فضول ولا تقصير ، ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ولا يذم منها شيئا غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها فإذا تعدّى الحقّ لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفه كلّها ، وإذا تعجّب قلبها ، وإذا تحدث اتصل بها وضرب براحته اليمنى بطن إبهامها اليسرى ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، جلّ ضحكه التبسم .
--> ( 1 ) هو الشعر المجتمع في الرأس . ( 2 ) هو الأنف تحت مجتمع الحاجبين ، وهو أول الأنف حيث يكون الشم . ( 3 ) اللبة : أعلى الصدر مما يلي العنق .