ابن الجوزي
68
صفة الصفوة
غداة إلى الحرّة « 1 » فينتظرونه حتى يردهم حرّ الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من [ يهود ] « 2 » على أطم « 3 » من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا [ معاشر ] « 4 » العرب هذا جدّكم « 5 » الذي تنتظرونه فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بظهر الحرّة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس ، وجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صامتا ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة ، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى ، وصلّى فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا « 6 » للتمر [ لسهيل وسهل ] « 7 » . غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين بركت به راحلته : هذا إن شاء اللّه المنزل . ثم دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول اللّه [ فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ان يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ] « 8 » ثم بناه مسجدا وطفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ينقل معهم اللّبن في [ بنيانه ] « 9 » ويقول : هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبرّ ربّنا وأطهر
--> ( 1 ) الحرة : هي أرض خارج المدينة ذات حجارة سوداء ، وكل أرض حجارتها سوداء هي حرة . ( 2 ) وردت في الأصل « اليهود » . ( 3 ) الأطم : الحصن . ( 4 ) وردت في الأصل « يا معشر » . ( 5 ) أي حظكم والجد : الحظ . ( 6 ) المربد هو الموضع الذي يجفف فيه التمر . ( 7 ) وردت في الأصل « لسهل وسهيل » . ( 8 ) ناقصة في الأصل . ( 9 ) وردت في الأصل « في ثيابه » .