ابن الجوزي

62

صفة الصفوة

والذي بعثك بالحق مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول اللّه فنحن واللّه أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر . فعرض في الحديث أبو الهيثم بن التيهان « 1 » فقال : يا رسول اللّه إن بيننا وبين أقوام جبالا وإنا قاطعوها ، فهل عسيت إن أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فقال رسول اللّه : بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني ، أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم . فقال له البراء بن معرور : ابسط يدك يا رسول اللّه نبايعك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا فأخرجوهم وهم : أسعد بن زرارة وعبد اللّه بن عمرو بن حزام ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، ورافع بن مالك بن العجلان . وعبد اللّه بن رواحة ، وسعد بن الربيع وعبادة بن الصامت ، وأسيد بن حضير . وأبو الهيثم بن التيهان ، وسعد بن خيثمة . فأخذ البراء بن معرور بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فضرب عليها فكان أول من بايع وتتابع الناس فبايعوا « 2 » . قال ابن إسحاق : فلما أيقنت قريش أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد بويع وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة ، توامروا « 3 » بينهم فقالوا : واللّه لكأنه قد كرّ عليكم بالرجال فاثبتوه « 4 » أو اقتلوه أو أخرجوه ، فاجتمعوا على قتله ، وأتاه جبريل وأمره أن لا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه ، فبات في غيره فلما أصبح أذن له في الخروج إلى المدينة . وعن ابن عباس في قوله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [ الأنفال 30 ] قال : تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق ، يريدون النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم بل أخرجوه ، فأطلع اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم على

--> ( 1 ) هو أبو الهيثم مالك بن التيهان بن عتيك بن عمرو ، بدري عقبي نقيب . ( انظر جمهرة أنساب العرب ص 340 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد 3 / 460 وأخرجه الطبري في التاريخ 2 / 90 . ( 3 ) يقال : تأمّر عليهم تسلط ، وآمره في كذا مؤامرة شاوره ، والعامة تقول : وأمره وأتمر الأمر أي امتثله وأتمروا به إذا هموا به وتشاوروا فيه ، والائتمار والاستئمار المشاورة . ( انظر مختار الصحاح ص 24 ) . ( 4 ) منه قوله تعالى : « ليثبتوك » أي يجرحوك جراحة لا تقوم معها .