ابن الجوزي

59

صفة الصفوة

والصحيح ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة . ويحمل قول من قال عشر سنين على مدة إظهار النبوة ؛ فإنه لما بعث استخفى ثلاث سنين ، ويحمل قول من قال خمس عشرة سنة على مبدأ ما كان يرى قبل النبوة من أعلامها صلّى اللّه عليه وسلم . ذكر عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نفسه بالموقف على الناس لينصروه عن جابر بن عبد اللّه قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعرض نفسه بالموقف ويقول : ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي ( رواه الترمذي ) « 1 » وعنه قال : مكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمكة عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى ، يقول : من يؤويني ؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة ؟ حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مصر - كذا قال - فيأتيه قومه فيقولون : احذر غلام قريش لا يفتنك ، ويمشي بين رحالهم وهم يشيرون اليه بالأصابع حتى بعثنا اللّه له من يثرب فآويناه ونصرناه وصدقناه ، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون باسلامه ، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام . ثم ائتمروا جميعا ، فقلنا : حتى متى نترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف ؟ فرحل اليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في المواسم فواعدناه شعب العقبة « 2 » واجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافقنا فقلنا : يا رسول اللّه علام نبايعك ، قال : « بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وان [ تتقوا ] « 3 » فيّ اللّه ، ولا تخافوا في اللّه لومة لائم ، وعلى أن تنصروني وتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة » .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي برقم 2926 ( 2 ) العقبة : مكان بين منى ومكة ومنها ترمى جمرة العقبة . ( 3 ) وردت في الأصل « وان تقولوا » .