ابن الجوزي

47

صفة الصفوة

فصلى بالناس ، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلّ مع القوم فقال : ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ؟ فقال : يا رسول اللّه أصابتني جنابة ولا ماء . قال عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك . ثم سار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاشتكى إليه الناس العطش فنزل فدعا فلانا كان يسميه أبو رجاء ونسيه عوف ، ودعا عليا عليه السلام فقال : اذهبا فابغيا الماء فذهبا فلقيا امرأة بين مزادتين « 1 » أو سطيحتين من ماء على بعيرها فقالا لها : أين الماء ؟ فقالت : عهدي بالماء أمس هذه الساعة ، ونفرنا خلوف . قال : فقالا لها فانطلقي إذا . قالت : إلى أين ؟ قالا : إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قالت : هذا الذي يقال له الصابئ ؟ قالا : هو الذي تعنين فانطلقي . فجاءا بها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فحدّثاه الحديث ، فاستنزلوها عن بعيرها ، ودعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم باناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين وأوكى أفواههما وأطلق العزالي ونودي في الناس أن اسقوا واستقوا فسقى من شاء واستقى من شاء ، فكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء فقال : اذهب فافرغه عليك . قال ، وهي قائمة تنظر : ما يفعل بمائها ؟ قال وأيم اللّه لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئة منها حين ابتدئ فيها . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : اجمعوا لها . فجمع لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما كثيرا وجعلوه في ثوب وحملوه على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها ، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تعلمين واللّه ما رزأناك « 2 » من مائك شيئا ولكن اللّه عزّ وجل هو الذي سقانا . قال : فأتت أهلها وقد احتبست عنهم فقالوا : ما حبسك يا فلانة ؟ قالت : العجب ، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ ففعل بمائي كذا وكذا ، فو اللّه إنه لأسحر من بين هذه وهذه ، وقالت بإصبعها الوسطى والسبابة ، فرفعتهما إلى السماء - تعني السماء والأرض - وإنه لرسول اللّه حقا . قال : فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على ما حولها من المشركين ولا يصيبون الصّرم الذي هي منه . فقالت يوما لقومها : ما أدري هؤلاء القوم الذين يدعونكم عمدا فهل لكم

--> ( 1 ) المزادة : القربة الكبيرة تكون ثنتاها حمل بعير . قال النووي : سميت مزادة لأنه يزاد فيها من جلد آخر من غيرها . ( 2 ) الرزء والمرزئة والرزيئة بالمد والرزية المصيبة والجمع الرزايا ، وقد رزأته رزيئة أي أصابته مصيبة .