ابن الجوزي

43

صفة الصفوة

عن ابن عباس قال : انطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ « 1 » وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب . قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء . قال : فانطلق الذين توجّهوا نحو تهامة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بنخلة « 2 » وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا : هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء . فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ سورة الجن - 2 ] وأنزل اللّه على نبيه : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ سورة الجن - 1 ] أخرجاه في الصحيحين « 3 » . وعنه « 4 » قال : كان الجن يسمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون عليها عشرا فيكون ما سمعوه حقا وما زادوه باطلا . وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك ، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان أحدهم لا يقعد مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب . فشكوا ذلك إلى إبليس فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث ، فبث جنوده فإذا هم بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم يصلي بين جبلي نخله فأتوه فأخبروه فقال : هذا الذي حدث في الأرض . قال الشيخ : وهذا الحديث يدل على أن النجوم لم يرم بها قبل مبعث نبينا صلّى اللّه عليه وسلم . وقد روينا عن الزهري أنه قال : قد كان يرمى بها قبل ذلك ولكنها غلظت حين بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ذكر اعتراف أهل الكتاب بنبوته صلّى اللّه عليه وسلم قال كعب الأحبار « 5 » : نجد نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في التوراة : محمد بن عبد اللّه

--> ( 1 ) سوق عكاظ : هو موضع قرب مكة كان العرب يجتمعون فيه أياما يقيمون فيه سوقا للتجارة والشعر . ( 2 ) نخلة : يطلق على نخلة الشامية واليمانية وهما وأديان على مسافة ليلة من مكة شرفها اللّه تعالى . ( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير قوله تعالى : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ص 73 ج 6 . ( 4 ) أي ابن عباس . ( 5 ) هو عالم الكتاب والآثار كعب الأحبار أسلم في زمن أبي بكر وروى عن عمر رضي اللّه عنه ، توفي سنة خمس وثلاثين . ( انظر شذرات الذهب ص 40 ج 1 ) .