ابن الجوزي
29
صفة الصفوة
يتيما صلّى اللّه عليه وسلم . فقلنا ، ما عسى أن تصنع بنا أمه ؟ فكنا نأبى حتى لم تبق من صواحباتي امرأة إلا أخذت رضيعا ، غيري . قالت : فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئا وقد أخذ صواحباتي . فقلت لزوجي الحارث : واللّه لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه . قالت : فأتيته فأخذته ثم رجعت به إلى رحلي « 1 » . قالت : فقال لي زوجي : قد أخذته ؟ قلت نعم ، وذلك أني لم أجد غيره . قال : قد أصبت عسى أن يجعل اللّه فيه خيرا . قالت : واللّه ما هو إلا أن وضعته في حجري فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي ، وشرب أخوه حتى روي ، وقام زوجي الحارث إلى شارفنا من الليل فإذا هي تحلب علينا ما شئنا ، فشرب حتى روي ، وشربت حتى رويت . قالت فبتنا بخير ليلة شباعا رواء . قالت : فقال زوجي : واللّه يا حليمة ما أراك إلا قد أصبت نسمة مباركة ، قد نام صبيانا وقد روينا ورويا . قالت : ثم خرجنا . قالت : فو اللّه لخرجت أتاني أمام الركب قد قطعتهم حتى ما يتعلق بها منهم أحد ، حتى إنهم ليقولون : ويحك يا بنت الحارث ، كفّي علينا ، أليست هذه أتانك التي خرجت عليها ؟ فأقول : بلى واللّه . فيقولون : إن لها لشأنا . حتى قدمنا منازلنا من حاضر منازل بني سعد بن بكر . قالت : فقدمنا على أجدب أرض اللّه . قالت : فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ، وأسرح راعي غنمي وتروح غنمي حفلا بطانا وتروح أغنامهم جياعا هالكة ما لها من لبن ، فنشرب ما شئنا من اللبن وما من الحاضر من أحد يحلب قطرة ولا يجدها . قالت : فيقولون لرعاتهم : ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي غنم حليمة ؟ فيسرحون في الشّعب الذي تسرح فيه غنمي وتروح أغنامهم جياعا ما لها من لبن وتروح غنمي حفلا لبنا . قالت : وكان يشب في اليوم شباب الصبي في شهر ، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة . قالت : فبلغ سنين وهو غلام جفر « 2 » . قالت : فقدمنا به على أمه
--> ( 1 ) الرحل : هو المنزل والمأوى . ( 2 ) أي انتفخ لحمه وأكل وأصبح قويا .