ابن الجوزي

355

صفة الصفوة

فولّيتهم جباية فيهم حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه ولو نالك منه شيء لأتيتك به . قال : فما جئتنا بشيء ؟ قال : لا . قال : جدّدوا لعمير عهدا . قال : إن ذلك شيء لا أعمله لك ولا لأحد بعدك ، واللّه ما سلمت بل لم أسلم ، لقد قلت لنصراني أخزاك اللّه ، فهذا ما عرضتني له يا عمر ، وإن أشقى أيامي يوم خلفت معك . ثم استأذنه فأذن له فرجع إلى منزله وبينه وبين المدينة أميال . فقال عمر حين انصرف عمير : ما أراه إلا قد خاننا . فبعث رجلا يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار وقال : انطلق إلى عمير حتى تنزل به كأنك ضيف فإن رأيت أثر شيء فأقبل . وإن رأيت حالا شديدا فادفع إليه هذه المائة الدينار . فانطلق الحارث فإذا هو بعمير جالس يفلي قميصه إلى جنب الحائط فقال له عمير : انزل رحمك اللّه . فنزل ثم ساءله فقال : من أين جئت ؟ فقال : من المدينة . فقال : كيف تركت أمير المؤمنين ؟ فقال صالحا . قال : فكيف تركت المسلمين ؟ قال : صالحين . قال : أليس يقيم الحدود ؟ قال : بلى ضرب ابنا له على فاحشة فمات من ضربه . فقال عمير : اللهم أعن عمر فإني لا أعلمه إلا شديدا حبّه لك . قال : فنزل به ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصّونه بها ويطوون حتى أتاهم الجهد . فقال له عمير : إنك قد أجعتنا فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل . قال فأخرج الدنانير فدفعها إليه فقال : بعث بها أمير المؤمنين فاستعن بها . قال : فصاح وقال : لا حاجة لي فيها فردها . فقالت له امرأته : إن احتجت إليها وإلا فضعها في مواضعها . فقال عمير : واللّه ما لي شيء أجعلها فيه . فشقت المرأة أسفل درعها فأعطته خرقة فجعلها فيها ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء . ثم رجع والرسول يظن أنه يعطيه منها شيئا فقال له عمير : أقرئ مني أمير المؤمنين السلام . فرجع الحارث إلى عمر فقال : ما رأيت ؟ قال : رأيت يا أمير المؤمنين حالا شديدا . قال فما صنع بالدنانير ؟ قال لا أدري . قال : فكتب إليه عمر : إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل . فأقبل إلى عمر فدخل عليه فقال له عمر : ما صنعت بالدنانير ؟ قال : صنعت ما صنعت وما سؤالك عنها ؟ قال أنشد عليك لتخبّرني ما صنعت بها . قال : قدّمتها لنفسي . قال : رحمك اللّه . فأمر له بوسق من