ابن الجوزي
350
صفة الصفوة
وعن مجاهد أن أبي هريرة رضي اللّه عنه كان يقول : واللّه إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب اللّه عزّ وجل ، ما سألته إلا ليستتبعني . فلم يفعل . ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب اللّه عزّ وجل ، ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل . فمر أبو القاسم صلّى اللّه عليه وسلم فعرف ما في وجهي وما في نفسي فقال : يا أبا هريرة . فقلت : لبيك يا رسول اللّه . فقال الحق . فتبعته فدخل فاستأذنت فأذن لي فوجد قدحا فيه لبن فقال : من أين لكم هذا اللبن ؟ فقالوا : أهداه لنا فلان . أو آل فلان . فقال أبا هرّ قلت : لبيك يا رسول اللّه . قال : انطلق إلى أهل الصفّة . قال : وأهل الصفة أضياف الإسلام ولم يأووا إلى أهل ولا مال ، إذا جاءت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هدية أصاب منها وبعث إليهم منها ، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها . قال : فأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي . فقلت : أنا الرسول ، فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم ، فما يبقى لي من هذا اللبن ؟ ولم يكن من طاعة اللّه وطاعة رسوله بدّ . فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال أبا هر خذ فأعطهم . فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح حتى أتيت إلى آخرهم ودفعته إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخذ القدح فوضعه في يده وقد بقي فيه فضلة . ثم رفع رأسه إليّ وتبسم فقال : أبا هر . فقلت : لبيك يا رسول اللّه . قال : بقيت أنا وأنت . فقلت صدقت يا رسول اللّه . قال : فاقعد فاشرب . قال : فقعدت فشربت . ثم قال لي : اشرب . فشربت . فما زال يقول لي : اشرب ، واشرب حتى قلت : والذي بعثك بالحق ما أجد لها فيّ مسلكا . قال : ناولني القدح . فرددت اليه القدح فشربت من الفضلة . ( انفرد بإخراجه البخاري ) « 1 » . وعن عبد الرحمن بن عبيد عن أبي هريرة قال : إن كنت لأتبع الرجل أسأله عن الآية من كتاب اللّه عزّ وجل ، لأنا أعلم بها منه ومن عشرته ، وما اتبعه إلا ليطعمني القبضة من التمر أو السفة من السّويق أو الدقيق أسدّ بها جوعي .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري .