ابن الجوزي

323

صفة الصفوة

وعن محمد بن يزيد الرحبي قال : قيل لأبي الدرداء : ما لك لا تشعر فإنه ليس رجل له بيت في الأنصار إلا وقد قال شعرا ؟ قال وأنا قد قلت فاسمعوا . يريد المرء أن يعطي مناه * ويأبى اللّه إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي * وتقوى اللّه أفضل ما استفاد وعن يحيى بن سعيد قال : قال أبو الدرداء : أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكا لا ورقة فيه ، إن نقدتهم نقدوك وإن تركتهم لا يتركوك . قالوا : فكيف نصنع ؟ قال تقرضهم من عرضك ليوم فقرك . وعن قتادة قال : قال أبو الدرداء : ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل تكون قبرك ، ابن آدم إنما أنت أيام فكلما ذهب يوم ذهب بعضك ، ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك من يوم ولدتك أمك . وعن روح بن الزبرقان قال : قال أبو الدرداء : ما من أحد إلا وفي عقله نقص عن حلمه وعلمه ، وذلك أنه إذا أتته الدنيا بزيادة في مال ظل فرحا مسرورا والليل والنهار دائبان في هدم عمره لا يحزنه ذلك ، ضلّ ضلاله ما ينفع مال يزيد وعمر ينقص ؟ . وعن جبير بن نفير قال : لما فتحت قبرس فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض ، فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي . فقلت يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز اللّه فيه الإسلام وأهله ؟ قال : ويحك يا جبير ، ما أهون الخلق على اللّه عزّ وجل إذا تركوا أمره بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر اللّه فرأيتهم كما نرى . وعن شرحبيل أن أبا الدرداء كان إذا رأى جنازة قال : اغدوا فأنا رائحون ، وروحوا فأنا غادون ، موعظة بليغة وغفلة سريعة ، كفى بالموت واعظا ، يذهب الأول فالأول ويبقى الآخر لا حلم له . عن الأوزاعي وعن بلال بن سعد أنه سمعه يقول : كان أبو الدرداء يقول : اللهم إني أعوذ بك من تفرقة القلب ، قيل : وما تفرقة القلب ؟ قال : أن يوضع في كل واد مال .