ابن الجوزي

306

صفة الصفوة

المسجد وقد حشوت أذنيّ قطنا فكان يقال لي ذو القطنتين . فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قائم يصلي فقمت قريبا منه فسمعت بعض قوله ، فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ، واللّه إني لرجل لبيب شاعر ما يخفي عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا فإن كان حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته . فمكثت حتى انصرف إلى بيته فدخل فدخلت معه فقلت : إن قومك قالوا لي كذا وكذا فأعرض أمرك عليّ . فعرض علي الإسلام وتلا علي القرآن فقلت : لا واللّه ما سمعت قولا قط أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه . فأسلمت وقلت : يا نبيّ اللّه إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع اللّه أن يكون لي عونا عليهم . فقال : « اللهم اجعل له آية » . فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنيّة تطلعني على الحاضر « 1 » وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت : اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة « 2 » وقعت في وجهي لفراق دينهم . فتحول النور فوقع في رأس سوطي . فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلّق . فأتاني أبي فقلت : إليك عني فإنك لست مني ولست منك . قال : ولم يا بني ؟ قلت : إني أسلمت واتّبعت محمد . قال : يا بني ، ديني دينك فقلت : فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ففعل ثم جاء فعرضت عليه الإسلام . ثم أتتني صاحبتي فقلت : إليك عني فلست منك ولست مني . قالت : ولم بأبي أنت ؟ قلت : فرق بيني وبينك الإسلام إني أسلمت وتابعت دين محمد . قالت : فديني دينك . فأسلمت . ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا عليّ . ثم جئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة فقلت : قد غلبتني دوس فادع اللّه عليهم . فقال : « اللهم اهد دوسا » « 3 » . وقال لي : أخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم . فخرجت أدعوهم حتى هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة . ومضت بدر وأحد والخندق . ثم قدمت بمن أسلم ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بخيبر ،

--> ( 1 ) الحاضر : الحي العظيم . ( 2 ) مثل به : نكل به وبابه نصر والاسم المثلة بالضم ، ومثل بالقتيل : جدعه وبابه أيضا نصر ، والمثلة بفتح الميم وضم الثاء العقوبة والجمع المثلات ( انظر مختار الصحاح ص 615 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ومسلم .