ابن الجوزي

303

صفة الصفوة

أنا رسول أبي ذر إليك - فلما قلتها خشع لها قلبه - وهو يقرأ عليك السلام ويقول لك : إنا نأكل من التمر ونشرب من الماء ونعيش كما تعيش . قال : فحلل إزاره ثم أدخل رأسه في جيبه ثم بكى حتى ملأ جيبه ثم بكى حتى ملأ جيبه بالبكاء . وعن أبي بكر بن المنكدر قال : بعث حبيب بن مسلمة وهو أمير بالشام إلى أبي ذر بثلاث مائة دينار وقال : استعن بها على حاجتك فقال أبو ذر : ارجع بها إليه أو ما وجد أحدا أغرّ باللّه عزّ وجل منا ؟ ما لنا إلا ظل نتوارى به ، وثلّة من غنم تروح علينا ، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها ثم إني لأتخوف الفضل . وعن جعفر بن سليمان قال : دخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال : يا أبا ذر أين متاعكم ؟ قال : لنا بيت نوجه إليه صالح متاعنا . قال : إنه لا بدّ لك من متاع ما دمت هاهنا ، قال : إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذر قال : واللّه لو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم ولا تقاررتم على فرشكم . واللّه لوددت أن اللّه عزّ وجل خلقني يوم خلقني شجرة تعضد ويؤكل ثمرها . عن ابن عمر بن الخطاب عن أبيه قال : قال أبو ذر : الصاحب الصالح خير من الوحدة ، والوحدة خير من صاحب السوء ، ومملي الخير خير من الصامت ، والصامت خير من مملي الشر ، والأمانة خير من الخاتم ، والخاتم خير من ظن السوء . ذكر خروج أبي ذر رضي اللّه عنه إلى الرّبذة : روى البخاري في أفراده من حديث زيد بن وهب قال : مررت بالرّبذة فقلت لأبي ذر : ما أنزلك هنا ؟ قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية : الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [ سورة التوبة آية : 34 ] فقال : نزلت في أهل الكتاب . فقلت : فينا وفيهم . فكتب يشكوني إلى عثمان . فكتب عثمان : أقدم المدينة فقدمت فكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكر ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحّيت فكنت قريبا . فذلك الذي أنزلني هذا المنزل .