ابن الجوزي

301

صفة الصفوة

بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته : « أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » . وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه وأتى العباس فأكب عليه فقال : ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام ؟ يعني عليهم . فأنقذه منهم . ثم عاد من الغد لمثلها وثاروا إليه فضربوه فأكب عليه العباس فأنقذه « 1 » . وعن أبي حرب بن أبي الأسود قال : سمعت عبد اللّه بن عمر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر ( رواه الإمام أحمد ) « 2 » . وعن محمد بن واسع أن رجلا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موته فسألها عن عبادة أبي ذر قالت : كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر . وعن عبد اللّه بن سيدان عن أبي ذر أنه قال : في المال ثلاثة شركاء : القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها أو شرها من هلاك أو موت . والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم . وأنت الثالث فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكونن . إن اللّه عزّ وجل يقول لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ سورة آل عمران آية 92 ] وإن هذا الجمل مما كنت أحب من مالي فأحببت أن قدمه لنفسي . وعن سفيان الثوري قال : قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال : يا أيها الناس أنا جندب الغفاري هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق . فاكتنفه الناس فقال : أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلّغه ؟ قالوا : بلى . قال : فإن سفر طريق القيامة أبعد ما تريدون ، فخذوا ما يصلحكم . قالوا : وما يصلحنا ؟ قال : حجوا حجة لعظائم الأمور وصوموا يوما شديدا حرّه لطول النشور وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور ، كلمة خير تقولها أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم . تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرها . اجعل الدنيا مجلسين مجلسا في طلب الحلال ومجلسا في طلب الآخرة . الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده . اجعل

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم في فضائل أبي ذر . ( 2 ) أخرجه الترمذي برقم 3803 .