ابن الجوزي
286
صفة الصفوة
وعن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعري أنه جمع الذين قرءوا القرآن فإذا هم قريب من ثلاث مائة . فعظم القرآن وقال : إن هذا القرآن كائن لكم أجرا وكائن عليكم وزرا فاتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن فإنه من اتّبع القرآن هبط به على رياض الجنة ومن تبعه القرآن زجّ في قفاه فقذفه في النار . وعن أنس أن أبا موسى كان له تبّان « 1 » ينام فيه مخافة أن ينكشف . وعن أبي مجلز قال : قال أبو موسى : إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حتى آخذ ثوبي حياء من ربي عزّ وجل . وعن قسامة بن زهير قال : خطبنا أبو موسى فقال : أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت . ( روى هذه الأحاديث الثلاثة الإمام أحمد رحمه اللّه ) . وعن أبي بردة عن أبي موسى قال : خرجنا غازين في البحر والريح لنا طيّبة والشراع لنا مرفوع فسمعنا مناديا ينادي : يا أهل السفينة قفوا أخبركم . حتى والى بين سبعة أصوات . قال أبو موسى فقمت على صدر السفينة فقلت من أنت ومن أين أنت ؟ أو ما ترى أين نحن ؟ وهل نستطيع وقوفا ؟ قال : فأجابني الصوت : ألا أخبركم بقضاء قضاه اللّه على نفسه ؟ قال : قلت بلى أخبرنا . قال : فإن اللّه قضى على نفسه أنه من عطّش نفسه للّه في يوم حارّ كان حقا على اللّه أن يرويه يوم القيامة . قال : فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذي يكاد ينسلخ فيه الانسان فيصومه . وعن أبي إدريس قال : صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال فقيل له لو أجممت نفسك . فقال : أيهات إنما يسبق من الخيل المضمّرة . قال : وربما خرج من منزله فيقول لامرأته : شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر . عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب قال : دعا أبو موسى فتيانه حين حضرته الوفاة فقال : اذهبوا فاحفروا وأوسعوا وأعمقوا . فجاءوا فقالوا : قد حفرنا وأوسعنا
--> ( 1 ) التبان بالضم والتشديد سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة وقد يكون للملاحين ( انظر مختار الصحاح ص 75 )