ابن الجوزي
19
صفة الصفوة
لا تعجبنّكما زينته ولا ما متّع به ، ولا تمدّا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين ، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ، ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما ، لفعلت ، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه « 1 » عنكما ، وكذلك أفعل بأوليائي . وقديما خرت لهم فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة . وإني لأجنّبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرّة وما ذاك لهوانهم علي ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفّرا لم تكلمه الدنيا ، ولم يطغه الهوى . واعلم أنه لم يتزين العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا ، فإنها زينة المتقين ، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، أولئك هم أوليائي حقا حقا فإذا لقيتهم فأخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وباراني ، وعرض لي نفسه ودعاني إليها وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي ؟ أو يظن الذي يعاديني أن يعجزني ؟ أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني ؟ وكيف ، وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة ، لا أكل نصرتهم إلى غيري . وعنه « 2 » قال : قال الحواريون يا عيسى : من أولياء اللّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؟ فقال عيسى عليه السلام : الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها ، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ، وتركوا ما علموا أن سيتركهم ، فصار استكثارهم منها استقلالا ، وذكرهم إياها فواتا ، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا فما عارضهم من
--> - وولي القضاء لعمر بن عبد العزيز وكان شديد الاعتناء بكتب الأولين وأخبار الأمم وقصصهم وله مصنف في ذكر ملوك حميّر صغير . توفي بصنعاء سنة أربع عشرة ومائة ( انظر شذرات الذهب ص 150 ج 1 ) . ( 1 ) زوى الشيء يزويه زيّا جمعه وقبضه ، وفي الحديث : « زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها » . ( انظر مختار الصحاح ص 279 ) . ( 2 ) أي عن وهب بن منبه .