ابن الجوزي
276
صفة الصفوة
وعن محمد بن سيرين قال : دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعة فقيل له : هو نائم . فقال : ما له ؟ فقالوا : إنه إذا كانت ليلة الجمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة . قال : فأمرهم فصنعوا طعاما في يوم جمعة ثم أتاهم فقال : كل . قال : إني صائم . فلم يزل به حتى أكل . فأتيا النبي صلّى اللّه عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « عويمر ! سلمان أعلم منك - وهو يضرب بيده على فخذ أبي الدرداء - عويمر ، سلمان أعلم منك » ثلاث مرات « لا تخصنّ ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصنّ يوم الجمعة بصيام من بين الأيام » . وعن ثابت البناني « 1 » أن أبا الدرداء ذهب مع سلمان يخطب عليه امرأة من بني ليث . فدخل فذكر فضل سلمان وسابقته وإسلامه ، وذكر أنه يخطب إليهم فتاتهم فلانة . فقالوا ؟ أما سلمان فلا نزوجه ولكنّا نزوجك . فتزوجها ثم خرج فقال له : إنه قد كان شيء وأنا أستحيي أن أذكره لك . قال : وما ذاك ؟ فأخبره الخبر ، فقال سلمان : أنا أحق أن أستحيي منك أن أخطبها وقد قضاها اللّه لك رضي اللّه عنهما . ذكر نبذة من زهده : عن الحسن قال : كان عطاء سلمان الفارسي خمسة آلاف ، وكان أميرا على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين ، وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها ، فإذا خرج عطاؤه أمضاه ، ويأكل من سفيف « 2 » يديه . وعن عمّار يعني الدّهني « 3 » قال كان عطاء سلمان الفارسي أربعة آلاف وكارة من ثياب ، فيتصدق بها ويعمل الخوص . وعن مالك بن أنس أن سلمان الفارسي كان يستظل بالفيء حيثما دار ، ولم يكن له بيت . فقال له رجل : ألا نبني لك بيتا تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد ؟
--> ( 1 ) هو ثابت بن أسلم البناني ، وبنانة من قريش وهم رهط بني سعد بن لؤي . وكانت بنانة أمهم فنسبوا إليها ، وكان من أنفسهم ويكنى أبا محمد وكان من سادة التابعين علما وفضلا وعبادة ونبلا وكان من خواص أنس وروى عن غيره من الصحابة . توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة ( انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب ص 161 ) . ( 2 ) سفيف : أي ما ينسج من الخوص كالزنبيل ونحوه . ( 3 ) هو عمار بن معاوية الدهني من بجيلة أبو معاوية الكوفي ، روى عن الطفيل وعدة توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة .